
الضفة الغربية… لم تعد القضية اقتحامات، بل إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية ، بقلم : معمر يوسف العويوي
لم تعد القضية في الضفة الغربية مجرد اقتحام لمدينة أو مخيم، ولا اعتداء عابراً ينتهي بانسحاب الجنود أو رحيل المستوطنين. ما يجري أكبر من ذلك بكثير.
إنه إعادة تشكيل تدريجية للجغرافيا الفلسطينية: توسع استيطاني، مصادرة أراضٍ، طرق جديدة، إغلاق للبوابات، السيطرة على مصادر المياه، واعتداءات تدفع الفلسطيني إلى الانكفاء عن أرضه.
والخطر هنا أن تغيير الجغرافيا لا يحدث بقرار واحد، وإنما بآلاف الخطوات الصغيرة التي تتراكم حتى تصبح واقعاً جديداً.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا يفعل الاحتلال؟ بل: كيف نحول مشروعنا الوطني إلى فعل قادر على حماية الأرض؟
ومن المهم هنا أن نقول بوضوح: القيادة الفلسطينية تدرك خطورة المرحلة، وتمتلك رؤية سياسية واضحة في مواجهة الاستيطان والضم ومحاولات تغيير الواقع، كما أكدت في أكثر من مناسبة أهمية الصمود والمقاومة الشعبية السلمية.
لذلك، لا أعتقد أن المشكلة في غياب الرؤية أو في غياب الخطة الوطنية. المشكلة التي تستحق المراجعة هي في أدوات تنفيذ هذه الرؤية على الأرض.
في السياسة قد تكون الاستراتيجية صحيحة، لكن أدوات تنفيذها تحتاج إلى تطوير. فالقيادة تستطيع أن تضع الرؤية، وتخوض المعركة السياسية والدبلوماسية، وتحشد المواقف الدولية، لكن السؤال يبقى: من يحمل هذه الرؤية إلى الشارع؟ من يشرحها للمواطن؟ من ينظم المبادرات الشعبية؟ من يتواصل مع القرى والمخيمات والبلديات والنقابات والجامعات؟ ومن يحول المقاومة الشعبية السلمية من عنوان سياسي إلى برنامج عمل مستمر؟
هنا تظهر أهمية القيادة الميدانية وقيادة الرأي والقيادة الوسطى، أي تلك الحلقة التي تصل القرار الوطني بالمجتمع، وتنقل في الوقت نفسه نبض المجتمع إلى القيادة.
وهذه الحلقة تحتاج إلى إعادة بناء وتفعيل. لا نحتاج إلى تغيير البوصلة… بل إلى تطوير الأدوات
إذا أردنا للمقاومة الشعبية أن تكون فعالة، فلا ينبغي أن تختصر في مسيرة عند وقوع اعتداء أو بيان يصدر بعد حدث. المقاومة الشعبية يمكن أن تكون منظومة صمود يومية: حماية الأرض، دعم المزارعين، توثيق الاعتداءات، حماية مصادر المياه، تعزيز الحضور في المناطق المهددة، العمل الإعلامي والقانوني، وإشراك الجامعات والنقابات والبلديات والمؤسسات الأهلية والشباب.
لكن ذلك يحتاج إلى تنظيم، وتوزيع أدوار، وقيادة ميدانية، وقياس للنتائج.
فالجماهير لا تتحرك بالبيانات وحدها؛ تتحرك عندما تعرف دورها، وترى هدفاً واضحاً، وتشعر أنها شريك في المشروع وليست مجرد متلقٍ له.
القيادة الحكيمة تراجع أدواتها لذلك من المهم ألا نخلط بين مراجعة الأدوات ومراجعة الرؤية.
فالقيادة الحكيمة لا تخشى أن تسأل: هل الأدوات التي استخدمناها بالأمس ما زالت قادرة على تحقيق نتائج اليوم؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلنطورها.
وإذا كانت تحتاج إلى تعديل، فلنعدلها. وإذا لم تعد مناسبة، فلنبحث عن أدوات جديدة.
فالثابت هو الهدف الوطني، أما أدوات الوصول إليه فيجب أن تتطور مع تطور التحديات.
والاحتلال اليوم لا يعمل بالأدوات نفسها التي استخدمها قبل سنوات.
لذلك، فإن مواجهة الواقع الجديد تحتاج أيضاً إلى أدوات فلسطينية أكثر مرونة وتنظيماً وقدرة على الوصول إلى المجتمع.
نحتاج إلى إعادة بناء الجسور مع المجتمع، ربما يكون التحدي الأكبر اليوم هو اتساع المسافة بين الخطاب السياسي والميدان.
وهنا لا يكفي أن نقول إن الشعب فقد الثقة، ولا أن نحمّل المواطن مسؤولية عدم التفاعل. بل علينا أن نسأل: هل نجحنا في بناء قنوات تجعل المواطن يشعر بأنه شريك؟
البلدية يمكن أن تكون جزءاً من الصمود. الجامعة يمكن أن تكون مساحة للوعي. النقابة يمكن أن تكون أداة للتنظيم المجتمعي. الإعلام يمكن أن يكون منصة للتعبئة والتوثيق. والشباب يمكن أن يكونوا قوة المبادرة. ورجل الأعمال يمكن أن يكون شريكاً في دعم صمود المناطق المستهدفة.
عندما تتكامل هذه الأدوار، تتحول السياسة من قرار في الأعلى إلى فعل في المجتمع.
الخطر ليس فقط في الأرض… بل في الوقت، الاحتلال يغير الواقع يومياً، طريق هنا، بؤرة هناك، مصادرة أرض، إغلاق بوابة، اعتداء على مزارع، ثم خطوة أخرى.
وهكذا تتغير الخريطة، لذلك فإن حماية الجغرافيا الفلسطينية تحتاج إلى حضور فلسطيني يومي ومُنظم، وليس فقط إلى ردود فعل بعد وقوع الأحداث.
وهنا تحديداً يجب أن تتحول المقاومة الشعبية من فكرة في الخطاب السياسي إلى منظومة في الفعل الوطني.
ليس المطلوب تغيير البوصلة الوطنية، ولا التشكيك في رؤية القيادة. المطلوب أن تكون هناك أدوات تنفيذ تليق بحجم الرؤية وحجم التحدي.
فالقيادة تضع الاستراتيجية، لكن نجاحها يحتاج إلى قيادة ميدانية قادرة على حملها، وقيادات رأي تستطيع شرحها، ومؤسسات قادرة على تنفيذها، ومواطن يشعر أنه شريك فيها.
نحتاج إلى إعادة النظر في الأدوات التي تحمل الخطة إلى الأرض. قد يكون القرار صحيحاً، والخطة صحيحة، والهدف وطنياً واضحاً، لكن المواطن لا يرى كيف يمكن أن يكون جزءاً منها. وهنا تتحول السياسة من مشروع جماهيري إلى خطاب رسمي. وهذا ما يجب أن نتجنبه.
فالأرض لا تُفقد بقرار واحد، بل بآلاف الخطوات الصغيرة. وإذا كان الاحتلال يعيد هندسة الجغرافيا الفلسطينية على الأرض، فعلينا أن نعيد نحن هندسة أدوات الصمود والعمل الوطني في المجتمع.
لا نحتاج إلى تغيير البوصلة، نحتاج فقط إلى أدوات تعرف كيف تقودنا إلى الوجهة.
فالرؤية الوطنية واضحة… لكن أدوات التنفيذ تحتاج إلى مراجعة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.