11:07 مساءً / 18 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

السينما الصينية تعبر الجبال والبحار ، بقلم : تشو شيوان

في العام الماضي، نجح فيلم رسوم متحركة صيني في تقديم شخصية نه تشا، التي تمتد جذورها في الأساطير الصينية إلى آلاف السنين، إلى جمهور واسع حول العالم. فقد حطم فيلم «نه تشا 2» أرقاما قياسية عدة، بعدما تجاوزت إيراداته العالمية 15 مليار يوان صيني، وأتاح لمزيد من المشاهدين في العالم التعرف من خلال السينما على ثراء الخيال في الأساطير الصينية والسحر المتفرد للثقافة الصينية.

وهذا العام، تواصل السينما الصينية خطواتها نحو العالم. فمن الاهتمام الذي حظي به فيلما «عزيزتي» و«الخالدون الثمانية»، إلى فيلم «مرحبًا بكم في مطعم التنين» الذي تدور أحداثه في الشرق الأوسط، باتت أفلام صينية متزايدة تتجاوز حواجز اللغة والجغرافيا، لتلتقي بجماهير من ثقافات وبلدان مختلفة.

ورغم اختلاف موضوعات هذه الأفلام، فإنها تطرح سؤالًا مشتركًا: كيف يمكن للقصص الصينية أن تصل حقًا إلى قلوب الجمهور حول العالم؟

ربما تكمن الإجابة، قبل كل شيء، في رواية قصص الإنسان.

ينطلق فيلم «عزيزتي» من ثقافة «تشياوبي» المميزة في منطقة تشاوشان بمقاطعة قوانغدونغ جنوبي الصين، وهي الرسائل التي كان يرسلها الصينيون المغتربون إلى أسرهم في الوطن، مصحوبة بتحويلات مالية. ومن خلال رسائل عبرت البحار والمسافات، يروي الفيلم حكايات الفراق والحنين إلى الوطن والروابط العائلية وانتظار الأحبة.

قد يكون مفهوم تشياوبي غريبًا على كثير من المشاهدين العرب، لكن المشاعر التي يحملها الفيلم ليست غريبة على الإطلاق. فكما يولي الصينيون أهمية كبيرة للأسرة، تحتل العائلة مكانة راسخة في الثقافة العربية. والمسافر يشتاق إلى وطنه، ومن بقي في الديار ينتظر عودة أحبته. إنها مشاعر إنسانية مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة كي تصل إلى القلب.

أما فيلم «الخالدون الثمانية»، فيمنح إحدى أشهر الأساطير الصينية القديمة حياة جديدة. فحكاية «الخالدين الثمانية الذين يعبرون البحر ويُظهر كل منهم قدراته الخاصة» معروفة لدى أجيال من الصينيين. ومن خلال تقنيات الرسوم المتحركة الحديثة، يعيد الفيلم تقديم هذه الشخصيات، ويمزج بين المناظر الطبيعية الصينية والخيال الأسطوري والجماليات الشرقية في سرد سينمائي معاصر. وكما هو الحال في «نه تشا 2»، لا يقتصر ما يقدمه الفيلم على شخصيات أسطورية صينية، بل يعكس أيضًا رؤية الصينيين إلى الشجاعة والصداقة والنضج ومواجهة المصير.

ومن “نه تشا” إلى “الخالدين الثمانية”، تبحث السينما الصينية عن لغة جديدة للتعبير عن ثقافتها؛ فهي لم تعد تكتفي بنقل الرموز التقليدية إلى الشاشة، بل تسعى إلى استخدام لغة سينمائية يستطيع الجمهور العالمي فهمها، بحيث تكتسب الحكايات القديمة حياة معاصرة. وحين تلتقي القيم المتوارثة منذ آلاف السنين مع مشاعر الإنسان اليوم، يصبح بوسع قصة صينية قديمة أن تلامس مشاعر مشاهد يعيش على بعد آلاف الكيلومترات.

ويقدم فيلم «مرحبًا بكم في مطعم التنين» زاوية أخرى مثيرة للاهتمام؛ إذ تدور أحداثه في الشرق الأوسط؛ حيث يسافر طاهٍ صيني إلى المنطقة بحثًا عن حياة أفضل، قبل أن تقوده الحرب إلى مسار لم يكن يتوقعه. ويمنح المطعم الصيني والطعام والحياة اليومية ولقاء الصينيين بالسكان المحليين الفيلم طابعًا طبيعيًا للتواصل بين الثقافات.

وقد تبدو مثل هذه الحكاية أكثر قربًا من الجمهور العربي؛ فمن دول الخليج إلى شمال أفريقيا، تتسع اليوم مجالات التواصل بين الصينيين والعرب. نعمل ونعيش ونتاجر ونسافر في مدن بعضنا البعض، وتتقاطع حياة أعداد متزايدة من الناس العاديين من الجانبين. وما تسجله السينما في الحقيقة هو جانب من هذا التحول الذي يشهده عصرنا.

وهذا يدفعني إلى الاعتقاد بأن المعنى الحقيقي لـ«توجه السينما الصينية إلى العالم» لا يقتصر على عدد الدول التي يُعرض فيها فيلم ما، أو حجم الإيرادات التي يحققها في الخارج. الأهم هو ما إذا كانت الشاشة قادرة على تمكين أصحاب الثقافات المختلفة من رؤية الصين الحقيقية والمتنوعة، وفهم حياة الصينيين ومشاعرهم والقيم التي يؤمنون بها.

في الماضي، تعرّف كثيرون حول العالم إلى الصين من خلال الكونغ فو، وسور الصين العظيم، والباندا. أما اليوم، فتقدم السينما الصينية صورة أكثر ثراءً وتنوعًا: فهناك الحضارة العريقة التي تجسدها شخصيات مثل نه تشا والخالدين الثمانية، وهناك دفء الأسرة وحنينها في «عزيزتي»، وهناك أيضًا قصص واقعية عن لقاء الصينيين بالعالم كما في «مرحبًا بكم في مطعم التنين».

الصين والعالم العربي مهدان لحضارتين عريقتين. وقبل أكثر من ألفي عام، أتاحت طرق الحرير القديمة لشعوب الجانبين أن تتعارف عبر الجبال والبحار. واليوم، أصبحت السينما جسرًا جديدًا يربط بينهما.

الفيلم الجيد لا يتوقف عند عرض ثقافة بعينها، بل يجعل الإنسان يرى في قصة الآخر شيئًا من أفراحه وأحزانه وتجاربه ومشاعره. وعندما تصل المزيد من القصص الصينية إلى شاشات العالم العربي، وفي الوقت نفسه يتعرف المزيد من المشاهدين الصينيين إلى القصص العربية، تستطيع الحضارتان أن تتعارفا وتتقاربا بصورة أعمق من خلال تلاقي الضوء والصورة.

قد تفصل بيننا جبال وبحار، لكن السينما قادرة على وصل المسافات. وفي جوهرها، فإن رحلة السينما الصينية نحو العالم ليست سوى لقاء بين الحضارات، ورحلة متبادلة يقترب فيها الناس من بعضهم البعض.

شاهد أيضاً

وزير الداخلية يعقد لقاءً في النبي صالح ويؤكد تعزيز السلم الأهلي وسيادة القانون

وزير الداخلية يعقد لقاءً في النبي صالح ويؤكد تعزيز السلم الأهلي وسيادة القانون

شفا – عقد وزير الداخلية زياد هبّ الريح، اليوم الثلاثاء، لقاءً في قرية النبي صالح، …