
النجمة السداسية… رمزٌ عبر التاريخ الاسلامي ، بقلم : د. وليد العريض
حين تقع العين اليوم على النجمة السداسية فإن الذاكرة السياسية المعاصرة تستدعي على الفور إسرائيل والصهيونية ونجمة داود والعلم الإسرائيلي، حتى ليخيّل إلى كثيرين أن هذا الشكل الهندسي وُلد مع المشروع الصهيوني أو أنه كان منذ ظهوره الأول رمزًا دينيًا يهوديًا خالصًا، غير أن المؤرخ حين يغادر أسر الحاضر ويعود إلى طبقات الزمن البعيدة يكتشف أن للنجمة السداسية سيرة أطول بكثير من عمر الدولة الإسرائيلية والحركة الصهيونية، وأنها عبرت حضارات وثقافات وديانات متعددة، وحملت في كل مرحلة معنى مختلفًا، فكانت شكلًا هندسيًا وزخرفة معمارية ورمزًا للحكمة والملك والحماية، ثم ارتبطت في بعض التقاليد الإسلامية بما عُرف باسم “خاتم سليمان” ، قبل أن تتطور دلالتها في البيئات اليهودية الحديثة، ثم تستثمرها الصهيونية سياسيًا وقوميًا في أواخر القرن التاسع عشر، ولهذا فإن قراءة تاريخ النجمة لا تبدأ بالسؤال: لمن تنتمي؟ بل بالسؤال الأكثر علمية: كيف تغيّر معناها وهي تعبر الأزمنة والحضارات؟..
فالنجمة السداسية في أصل تكوينها شكل هندسي بسيط يتألف من مثلثين متساويي الأضلاع، أحدهما يتجه برأسه إلى الأعلى والآخر إلى الأسفل، ومن تداخلهما تتشكل النجمة ذات الرؤوس الستة، وهذه البساطة الهندسية تفسر إمكان ظهورها في بيئات حضارية مختلفة من غير أن يكون كل ظهور لها دليلًا على انتقال عقيدة أو رمز ديني من شعب إلى آخر، ومن هنا ينبغي التمييز الصارم بين الشكل ودلالته، لأن الأثر القديم لا يستطيع الدفاع عن نفسه أمام إسقاطاتنا المعاصرة، فإذا عثرنا على نجمة سداسية فوق إناء أو جدار أو قطعة حجرية عمرها ألف أو ألفا عام فلا يجوز أن نسارع إلى تسميتها “نجمة داود” ، كما لا يجوز أن نسميها “خاتم سليمان” من غير قرينة، وإنما ينبغي أن نسأل عن تاريخ الأثر ومكانه والبيئة الحضارية التي أنتجته والكتابات المحيطة به ووظيفته وعلاقته ببقية العناصر الزخرفية، فالشكل قد يبقى واحدًا بينما تتبدل دلالته مرات عديدة..
وتبدأ إحدى أهم مراحل التحول الرمزي مع شخصية سليمان عليه السلام، ذلك النبي الملك الذي احتل في الذاكرة الإسلامية مكانة تجمع النبوة والحكمة والسلطان والقدرة، وقد تحدث القرآن الكريم عن تسخير الريح والجن له بإذن الله وعن معرفته بمنطق الطير، غير أن القرآن لا يقدم وصفًا هندسيًا لخاتم سليمان ولا يقول إن خاتمه كان نجمة سداسية، وهي ملاحظة منهجية لا يجوز تجاوزها، لأن الربط بين النجمة السداسية والخاتم المنسوب إلى سليمان تطور في المرويات والتقاليد الدينية والفنية والشعبية اللاحقة، حتى أصبحت النجمة في بعض البيئات الإسلامية، ولا سيما التركية والعثمانية، معروفة باسم مُهر سليمان” أو Mühr-i Süleyman، فأصبح الشكل الهندسي يحمل في بعض استعمالاته معاني الملك والحكمة والسلطان والحماية المرتبطة بصورة سليمان في المخيال الديني وصورة السلطان سليمان القانوني في الجانب المعماري والحضاري..
ومع اتساع الحضارة الإسلامية نشأت لغة فنية شديدة الثراء تقوم على الهندسة والتناظر والتكرار والتشابك وتقسيم الدائرة والنجوم والمضلعات، ولذلك دخلت النجمة السداسية بصورة طبيعية في بعض التكوينات الزخرفية الإسلامية، ويقدم الفن الإسلامي المبكر في العراق شاهدًا مهمًا من خلال قطعة خشبية ترجع إلى أوائل القرن التاسع الميلادي تظهر فيها النجمة السداسية داخل تركيب زخرفي، ولا تكمن قيمة هذا المثال في الادعاء بأن المسلمين في ذلك الوقت كانوا يسمونها حتمًا خاتم سليمان، إذ لا تتوافر قرينة كافية على ذلك، وإنما تكمن أهميته في إثبات أن الشكل كان حاضرًا بالفعل في الفن الإسلامي قبل ظهور الصهيونية الحديثة بنحو ألف عام، وهي حقيقة تجعل قراءة النجمة الإسلامية القديمة من خلال العلم الإسرائيلي الحديث قلبًا للتسلسل التاريخي وإسقاطًا للحاضر على الماضي..
ثم يقدم القرن الحادي عشر الميلادي شاهدًا أكثر وضوحًا من مصر، حيث تظهر النجمة السداسية في لفافة تعويذية إسلامية ضمن سياق ارتبط بالأحجبة والتمائم والأدعية والرموز الوقائية، وهنا تصبح المسافة بين الشكل الهندسي و”خاتم سليمان” أقصر، لأن البيئة التعويذية نفسها تمنح الرمز وظيفة تتجاوز الجمال الهندسي الخالص، ولذلك يمثل هذا النوع من الشواهد محطة مهمة في تاريخ الرمز الإسلامي، إذ انتقلت النجمة في بعض استعمالاتها من مجرد عنصر زخرفي إلى علامة تحمل معنى الحماية والقوة المرتبطة بسليمان القانوني في المخيال الشعبي والديني، ومع ذلك يبقى واجب المؤرخ قائمًا في عدم تعميم هذه الدلالة على كل نجمة سداسية تظهر في أثر إسلامي آخر..
ومع السلاجقة انتقلت النجمة السداسية إلى فضاء معماري أكثر اتساعًا، فظهرت ضمن زخارف المساجد والمدارس والأضرحة والأبواب والمحاريب والخزف والآجر، ويقدم جامع علاء الدين في قونية شاهدًا مهمًا لأن بعض عناصره وُصفت في المصادر بمصطلح “مُهر سليمان” ، كما تظهر نماذج أخرى في العمارة والفنون السلجوقية، ثم تتسع الظاهرة في البيئات الأرتقية ومناطق ماردين وديار بكر والجزيرة والأناضول الشرقي، حيث أصبحت النجوم والمضلعات جزءًا من لغة هندسية إسلامية متكاملة، وهنا نرى كيف استطاع الشكل نفسه أن يجمع أحيانًا بين الجمال الهندسي والدلالة الرمزية من غير أن تكون الحدود بين الوظيفتين واضحة دائمًا..
أما في العصر المملوكي فقد بلغت الزخارف الهندسية في مصر وبلاد الشام درجة كبيرة من التعقيد والإبداع، وظهرت التكوينات النجمية في المنابر الخشبية والأبواب والمشربيات والنحاسيات والمصاحف والمحاريب والمدارس والقباب، وكانت النجمة السداسية تظهر أحيانًا إلى جانب نجوم ثمانية وعشرية واثني عشرية داخل شبكات هندسية واسعة، ولذلك فإن وجودها في بناء مملوكي في القاهرة أو دمشق أو القدس لا يكفي وحده للقول إنها “خاتم سليمان” ، فقد تكون ببساطة جزءًا من الحساب الهندسي للزخرفة، وهنا تبدو أهمية السياق مرة أخرى، لأن نجمة منفردة تحيط بها كتابة أو دعاء ليست بالضرورة في الدلالة كالنجمة التي تتكرر عشرات المرات داخل شبكة زخرفية متصلة..
ويحتل العصر العثماني موقعًا بالغ الأهمية في هذه الرحلة، إذ أصبح مصطلح “مُهر سليمان” أكثر وضوحًا في الثقافة الفنية التركية، وظهر الرمز في العمارة والزخارف الخشبية والمآذن والأواني والفنون التطبيقية، وتقدم نماذج من مساجد الأناضول شواهد على حضوره، ومنها جامع إبراهيم أفندي في كلس الذي دُرست الزخرفة السداسية على قاعدة مئذنته صراحة بوصفها” خاتم سليمان” القانوني، كما تظهر نماذج أخرى في مساجد تركية مختلفة، ولم يبق الرمز داخل العمارة الدينية، بل خرج إلى الحياة اليومية فنُقش على المعادن والأواني والأسلحة والمخطوطات والتمائم والمنسوجات والحلي، حتى ظهرت وحداته في مراكز بعض الصواني والأواني النحاسية العثمانية، وكأن الرمز كان ينتقل من المئذنة إلى البيت ومن جدار المسجد إلى الأشياء التي يلمسها الإنسان في حياته اليومية..
ولم تكن وظيفة النجمة واحدة في تلك البيئة الإسلامية الواسعة، فقد كانت أحيانًا عنصرًا هندسيًا خالصًا، وأحيانًا رمزًا مرتبطًا بخاتم سليمان وما يحمله من معاني الحكمة والملك والقدرة، وأحيانًا جزءًا من ثقافة التمائم والأحجبة التي نسبت إليها المخيلة الشعبية وظيفة الحماية، وأحيانًا جمعت بين الجمال والرمزية في آن واحد، ولهذا لا يجوز أن نفرض تفسيرًا واحدًا على جميع النماذج، لأن المؤرخ لا يحاكم الصورة وحدها، وإنما يحاكم الصورة داخل زمانها ومكانها والنصوص المحيطة بها..
وعلى الجانب الآخر عرفت البيئات اليهودية النجمة السداسية كذلك، ثم أخذ استعمالها يتطور تدريجيًا في أوروبا حتى أصبحت في العصر الحديث علامة أكثر وضوحًا للهوية اليهودية، ومن هنا فإن القول إن الصهيونية اخترعت النجمة السداسية ليس دقيقًا، مثلما أن القول إن النجمة كانت منذ أقدم العصور الرمز الوحيد أو المركزي لليهودية ليس دقيقًا أيضًا، فقد مرت دلالتها اليهودية نفسها بمراحل من التطور، إلى أن جاءت الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر فأعادت توظيف الرمز داخل مشروع قومي وسياسي حديث، وكانت مرحلة مؤتمر بازل سنة 1897 إحدى المحطات البارزة في هذا التحول، قبل أن تبلغ الدلالة السياسية ذروتها سنة 1948 عندما أصبحت النجمة في مركز علم إسرائيل كدولة..
ومنذ ذلك التاريخ وقع تحول شديد التأثير في الذاكرة البصرية العالمية، إذ أصبح الاستخدام الإسرائيلي الحديث يطغى على التاريخ السابق للنجمة، حتى إن الإنسان المعاصر حين يشاهدها على مسجد سلجوقي أو أثر عثماني قد يتساءل بدهشة عن سبب وجود “نجمة إسرائيل” في مسجد إسلامي قديم، بينما السؤال نفسه يقوم على مفارقة تاريخية واضحة، لأن المسجد أقدم من دولة إسرائيل بقرون، والنجمة التي يحملها لم تأت إليه من دولة ظهرت بعده بمئات السنين، وإنما الدولة الحديثة هي التي تبنت شكلًا هندسيًا ورمزيًا كانت له حياة طويلة قبلها في حضارات وديانات وثقافات متعددة..
وهكذا فإن الرحلة التاريخية للنجمة السداسية لا تروي قصة رمز ثابت، بل قصة معنى متحرك، فقد كانت شكلًا هندسيًا قديمًا، ثم دخلت التكوينات الزخرفية، وارتبطت في بعض التقاليد بسليمان عليه السلام، وتحولت في بعض السياقات الإسلامية إلى “خاتم سليمان” ، وظهرت في العمارة والتمائم والأسلحة والأواني، ثم تطورت دلالتها في البيئات اليهودية الأوروبية حتى أصبحت علامة هوية، قبل أن تعيد الصهيونية توظيفها سياسيًا وقوميًا وتضعها إسرائيل في قلب علمها، وبقي الشكل في معظم هذه الرحلة قريبًا من صورته الأولى، بينما تغيرت المعاني التي حملها تغيرًا عميقًا..
ولعل القيمة الحقيقية لهذه الرحلة أنها تعلمنا كيف نقرأ الرموز التاريخية، فالرمز لا يتحدث من تلقاء نفسه، ولا يستطيع أن يقول لنا لمن كان ينتمي أو ماذا كان يعني، وإنما علينا أن نسأله عن زمنه ومكانه وصانعه ووظيفته والنصوص التي أحاطت به، ولهذا فإن وجود نجمة سداسية في مسجد إسلامي قديم لا يجعلها نجمة داود بالمعنى السياسي الحديث، كما أن وجودها في أثر إسلامي لا يسمح لنا تلقائيًا بتسميتها خاتم سليمان، وبين هذين التفسيرين المتعجلين يقف المؤرخ حاملًا أدواته الأساسية: النص والأثر والتاريخ والسياق..
وفي النهاية لا ينبغي أن يكون سؤالنا: لمن تنتمي النجمة السداسية؟، لأن آلاف السنين جعلت الإجابة أكثر تعقيدًا من أن تختصر في شعب أو دين أو دولة، وإنما السؤال الأجدر بالتاريخ هو: كيف استطاع شكل هندسي بسيط أن يعبر كل هذه القرون، وأن تمنحه كل حضارة معنى جديدًا، ثم يأتي العصر الحديث فيجعل آخر معانيه أكثر حضورًا من جميع المعاني التي سبقته؟، وهنا تكمن المفارقة الكبرى في تاريخ النجمة السداسية: بقي الشكل، وتغير المعنى، وبقي الأثر شاهدًا على أن ذاكرة الحضارات أوسع بكثير من ذاكرة السياسة المعاصرة..
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.