
السلام المفقود ، بقلم: أحمد سليمان
«اللّي بجرّب المجرّب عقلو مخرب»
كم مرة يجب أن يُخدع الفلسطيني بوهم السلام حتى يقتنع بأن الطريق الذي لا يقوده إلى الحرية ليس طريقًا للسلام؟ وكم اتفاقًا يجب أن يُوقَّع، وكم مفاوضات يجب أن تبدأ وتنتهي، وكم وسيطًا يجب أن يأتي ويرحل، قبل أن نعترف بأن ما يجري على الأرض أقوى من كل الكلمات التي قيلت على طاولات المفاوضات؟
«اللّي بجرّب المجرّب عقلو مخرب»، والمثل الشعبي هنا ليس للسخرية، بل لوصف مأساة سياسية عمرها عقود. جرّبنا المفاوضات، وجرّبنا الاتفاقات، وصدّقنا الوعود، وانتظرنا المجتمع الدولي، وقيل لنا مرارًا إن السلام قريب وإن الدولة الفلسطينية قادمة، بينما كانت الأرض تحت أقدامنا تُصادر، والمستوطنات تتوسع، والقدس تتغير، والمخيمات تُستهدف، وغزة تُدمَّر، والضفة تُقطَّع، واللاجئ الفلسطيني ما زال بعد قرابة ثمانية عقود يحمل مفتاح بيته وينتظر عدالة لم تأتِ.
اليوم لم يعد السؤال: متى يأتي السلام؟ بل أصبح السؤال الأكثر قسوة: ماذا بقي أصلًا من ذلك السلام؟ وعلى أي أرض سيقوم؟
يواصل بنيامين نتنياهو وحكومته الحرب على غزة وسياسة فرض الوقائع بالقوة، فيما تبقى الاتفاقات والتفاهمات عرضة للتعطيل وعدم الالتزام والتنصل من الاستحقاقات. وفي كل مرة تلوح فيها نافذة لوقف الحرب أو فتح مسار سياسي، يجد الفلسطيني نفسه أمام المشهد ذاته: مزيد من الدم والدمار والتهجير، ثم مفاوضات جديدة ووعود جديدة وانتظار جديد.
غزة اليوم ليست مجرد ملف إنساني ولا مجرد ساحة حرب منفصلة عن بقية فلسطين. غزة جزء من القضية الفلسطينية، ومستقبلها لا يمكن فصله عن الضفة والقدس واللاجئين. إن حجم الدمار والتهجير وضرب مقومات الحياة فيها يطرح أسئلة تتجاوز اليوم التالي للحرب إلى مستقبل القطاع ومكانه في المشروع الوطني الفلسطيني، وإلى الخطر الكامن في التعامل معه ككيان منفصل يمكن تقرير مستقبله بعيدًا عن وحدة الأرض والشعب.
وبينما تتركز أنظار العالم على غزة، تتغير الضفة الغربية أمام أعيننا. الاستيطان يتوسع، والأراضي تُصادر، والحواجز تقطع أوصال المدن والقرى، وعنف المستوطنين يضغط على التجمعات الفلسطينية، والعمليات العسكرية تتكرر، حتى أصبح الفلسطيني يشعر أن هناك عملية اقتلاع تدريجية تجري قطعةً قطعة، وتلةً تلة، وقريةً قرية.
فالاستيطان ليس مجرد بيوت تُبنى فوق التلال، بل مشروع يغيّر الجغرافيا ويحدد مستقبل الأرض. وإذا تحولت الضفة إلى جزر فلسطينية معزولة تحيط بها المستوطنات والحواجز والطرق، فأين ستقوم الدولة الفلسطينية التي لا يتوقف العالم عن الحديث عنها؟
العالم يقول: حل الدولتين.
والفلسطيني يسأل: أين الأرض التي ستقوم عليها الدولة الثانية؟
وفي قلب هذه الصورة تقف المخيمات الفلسطينية، بما تحمله من معنى أكبر بكثير من حدودها الجغرافية. بالأمس مخيم طولكرم ومخيم جنين، واليوم مخيم قلنديا ومخيم الجلزون ومخيم بلاطة، أحد أكبر مخيمات الضفة الغربية. تتغير الأسماء، وتتغير المواقع، لكن المخيم الفلسطيني يبقى في قلب المواجهة.
وهنا لا يجوز أن نتعامل مع استهداف المخيمات وكأنه مجرد سلسلة من العمليات العسكرية المتفرقة. فالمخيم بالنسبة للفلسطيني ليس مجموعة أزقة وبيوت متلاصقة، وليس عنوانًا للفقر أو مكانًا ينتظر سكانه المساعدات.
المخيم هو ابن النكبة.
هو ذاكرة شعب اقتُلع من أرضه، وهو الشاهد الحي على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تُحل منذ عام 1948.
في المخيم بقي اسم القرية التي هُجّرت منها العائلة، وبقي مفتاح البيت، وبقيت الحكاية التي رواها الجد للأب والأب للابن والابن للحفيد. أجيال ولدت بعيدًا عن القرية الأصلية، لكنها ما زالت تعرف اسمها وتاريخها وتحمل انتماءها إليها.
لهذا فإن الحرب على المخيم لا تعني فقط هدم البيوت أو تدمير الشوارع. إنها تمس مكانًا يحمل الذاكرة الفلسطينية ويمثل واحدًا من أوضح الشواهد على استمرار قضية اللاجئين.
ومن جنين إلى طولكرم، ومن قلنديا إلى الجلزون وبلاطة، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا تتسع دائرة الاستهداف من مخيم إلى آخر، وماذا يعني ذلك بالنسبة لمستقبل قضية اللاجئين وحق العودة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل اللاجئ الفلسطيني من صاحب وطن وحق وقضية إلى مجرد حالة إنسانية تبحث عن الغذاء والمأوى، وتحويل حق العودة من قضية سياسية وقانونية إلى ذكرى يراد لها أن تتلاشى مع مرور الأجيال.
لكن الحقوق لا تموت لأن الزمن مرّ عليها.
والمخيم لا يفقد معناه لأن الخيمة أصبحت بيتًا من الإسمنت.
واللاجئ لا يصبح بلا وطن لأن العالم اعتاد على رؤيته لاجئًا.
يمكن تدمير الحجر، ولكن لا يمكن اقتلاع الذاكرة. ويمكن هدم المخيم، ولكن هدمه لا يلغي حق العودة.
وفي الوقت ذاته تستمر معركة الأرض في بقية الضفة الغربية. أرض تُصادر، ومستوطنة تتوسع، وبؤرة جديدة تظهر، وطرق وحواجز تفصل بين الفلسطيني وأرضه وبين المدينة والمدينة.
وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة بسيطة: لا دولة من دون أرض.
إذا كان المجتمع الدولي يؤمن فعلًا بحل الدولتين، فإن حماية الأرض التي ستقوم عليها الدولة الفلسطينية ليست تفصيلًا سياسيًا، بل شرط لبقاء هذا الحل ممكنًا.
أما القدس، فتعيش معركتها اليومية على الأرض والهوية والسكان. الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والضغوط على الفلسطينيين، ومحاولات تغيير الواقع الديمغرافي والعمراني، كلها تجعل السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا سيبقى للتفاوض عليه إذا استمر تغيير الواقع قبل الوصول إلى أي مفاوضات نهائية؟
لا يمكن أن تقول للفلسطيني إن القدس قضية مؤجلة إلى الحل النهائي، بينما تتغير الوقائع فيها كل يوم.
ولا يمكن أن تقول له انتظر الدولة، بينما الأرض التي ستقام عليها هذه الدولة تتقلص.
ولا يمكن أن تقول للاجئ انتظر الحل العادل، بينما تتعرض المخيمات التي تحفظ ذاكرته وحكايته للتدمير والتهجير.
هذه هي مأساة السلام المفقود.
لقد امتلأت العقود الماضية بالمبادرات والمؤتمرات والوسطاء والمبعوثين وخرائط الطريق والقرارات الدولية. المشكلة لم تكن يومًا في نقص الكلمات، بل في غياب القدرة والإرادة على تحويل الكلمات إلى واقع.
الفلسطيني لا يعيش داخل بيانات الأمم المتحدة، بل يعيش على الأرض. وما يراه على الأرض هو المقياس الحقيقي بالنسبة إليه.
حين يسمع إدانة للاستيطان ثم يرى المستوطنة تكبر، ماذا تعني له الإدانة؟
وحين يسمع الحديث عن القانون الدولي بينما تستمر مصادرة أرضه، ماذا تعني له القوانين؟
وحين يسمع أن المجتمع الدولي ملتزم بحل الدولتين بينما تتفتت الأرض التي ستقوم عليها دولته، كيف يمكن أن يثق بأن هذا الحل ما زال مشروعًا حقيقيًا وليس مجرد شعار دبلوماسي؟
ومع ذلك، فإن تحميل إسرائيل والمجتمع الدولي المسؤولية لا يعفينا نحن الفلسطينيين من مسؤوليتنا التاريخية.
نحن أيضًا بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا: إلى أين نحن ذاهبون؟
الانقسام الفلسطيني استنزفنا، وصراعات المواقع والمصالح أضعفت مشروعنا الوطني، والمرحلة التي نعيشها أخطر من أن تُدار بعقلية الانقسام والحسابات الضيقة.
فإذا كانت الأرض نفسها معرضة للضياع، يصبح السؤال عن من سيحكم أقل أهمية من السؤال: ماذا سيبقى أصلًا لنحكمه؟
نحن بحاجة إلى وحدة وطنية حقيقية، وإلى تجديد مؤسساتنا الفلسطينية على أسس ديمقراطية، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية ودورها الجامع، وإلى استراتيجية وطنية واحدة تجمع الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات.
فالشتات ليس جمهورًا يشاهد فلسطين من بعيد. ملايين الفلسطينيين في المخيمات والدول العربية وأوروبا والأميركيتين وغيرها هم جزء من هذا الشعب ومن قضيته، وقضية اللاجئين وحق العودة تجعلهم في قلب المشروع الوطني، لا على هامشه.
لقد كان من أخطر ما حدث للقضية الفلسطينية خلال العقود الماضية تفكيكها إلى ملفات منفصلة: غزة ملف، والضفة ملف، والقدس ملف، واللاجئون ملف، والأسرى ملف، والاستيطان ملف، والمخيمات ملف.
لكن فلسطين ليست مجموعة ملفات.
فلسطين قضية واحدة.
غزة لا تنفصل عن الضفة، والضفة لا تنفصل عن القدس، والقدس لا تنفصل عن اللاجئين، والمخيم لا ينفصل عن النكبة، والنكبة لا تنفصل عن حق العودة، والاستيطان لا ينفصل عن مستقبل الدولة الفلسطينية.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي لا يرى هذه الصورة كاملة سيبقى مشروعًا ناقصًا، وأي سلام يتجاهل جذور القضية سيبقى مجرد هدنة بين حربين.
السلام الحقيقي ليس صورة مصافحة أمام الكاميرات، ولا اتفاقًا يولد في قاعة فخمة ثم يموت على أول حاجز عسكري.
السلام هو أن يشعر الإنسان أن غده لن يكون نسخة عن ماضيه.
أن يعرف الفلسطيني أن بيته لن يُهدم غدًا، وأن أرضه لن تُصادر بعد غد، وأن ابنه لن يعيش الحرب نفسها التي عاشها أبوه وجده، وأن اللاجئ لن يُطلب منه أن يتخلى عن ذاكرته وحقوقه، وأن المقدسي يستطيع أن يبقى في مدينته، وأن سكان المخيم يستطيعون النوم دون أن ينتظروا الحرب القادمة.
والسلام الحقيقي يجب أن يمنح الإسرائيلي أيضًا أمنًا دائمًا، لكن الأمن لا يمكن أن يقوم إلى الأبد على القوة العسكرية وحدها، ولا يمكن بناء أمن شعب على استمرار حرمان شعب آخر من الحرية والحقوق. الأمن الدائم يحتاج إلى عدالة، والعدالة تحتاج إلى الاعتراف بحقوق الجميع.
بعد قرابة ثمانية عقود على النكبة، وبعد عقود من المفاوضات وإدارة الصراع، يجب أن تكون الحقيقة واضحة:
لا سلام دون عدالة، ولا دولة فلسطينية دون أرض، ولا حل دون القدس، ولا تسوية عادلة تتجاهل قضية اللاجئين وحقوقهم، ولا استقرار دائم مع استمرار الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع بالقوة.
من غزة إلى الضفة، ومن جنين وطولكرم إلى قلنديا والجلزون وبلاطة، ومن القدس إلى المخيمات، ومن الأرض المصادرة إلى ملايين اللاجئين المنتشرين في العالم، هناك قضية واحدة وشعب واحد ما زال يبحث عن الحرية والعدالة والكرامة.
وإذا استمرت غزة في النزف، والضفة في الاقتلاع، والمخيمات في الاستهداف، والاستيطان في التوسع، والأرض في المصادرة، والقدس في مواجهة تغيير واقعها، وحق العودة في مواجهة محاولات التهميش، فلا تسألوا بعد ذلك لماذا فشل السلام.
اسألوا السؤال الأصعب:
هل كان هناك من يبحث عن السلام فعلًا، أم كان المطلوب إدارة الصراع وشراء الوقت حتى لا يبقى على الأرض ما يمكن التفاوض عليه؟
وهنا نعود إلى حيث بدأنا:
«اللّي بجرّب المجرّب عقلو مخرب».
لقد جرّب الفلسطيني طريق الانتظار طويلًا، وجرّب العالم إدارة الصراع بدل حله، وكانت النتيجة أمامنا: مزيد من الدم، ومزيد من الاستيطان، ومزيد من الأرض المفقودة، ومزيد من الخوف والكراهية.
فإما أن يكون هناك سلام حقيقي يقوم على العدالة والحرية والحقوق والقانون الدولي، وإما أن تبقى المنطقة تدور في الحلقة ذاتها، حربًا بعد حرب، وضحية بعد ضحية، وجيلًا بعد جيل.
وعندها لن يكون السؤال: أين السلام؟
بل:
من الذي أضاع السلام؟
- – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.