4:01 مساءً / 5 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

حينَ يتعرَّفُ النورُ إلى اسمِه ، بقلم : محمد علوش

حينَ يتعرَّفُ النورُ إلى اسمِه ، بقلم : محمد علوش


تُسافرُ الأرواحُ في ملكوتِها
لا بحثاً عن سماءٍ بعيدة،
فالسماءُ ليستْ سوى
أثرِ الضوءِ حينَ يمرُّ
على وجهِ الغيب،
ويحاولُ أن يرى
ملامحَهُ الأولى.
تخلعُ الروحُ أسماءَها
كما يخلعُ النهرُ
صورةَ الضفاف،
وتضعُ عند آخرِ نبضةٍ
مفاتيحَ الطين،
ثم تمضي
خفيفةً
كفجرٍ لم يولدْ بعد،
كأنَّ الجهاتِ كلَّها
كانت تنتظرُ خطوتَها
لتعرفَ طريقَها.
هناك
لا شمالَ يحفظُ سرَّهُ،
ولا جنوبَ يملكُ خرائطَهُ،
فالكونُ يستعيدُ لغتَهُ الأولى،
حينَ كانت الأشياءُ
تنادي بعضَها
بأسماءٍ لم تُولدْ
في أفواهِ البشر.
هناك
تُصغي الأشجارُ
إلى حكاياتِ الجذور،
ويقرأُ الحجرُ
رسائلَ المطرِ
على صفحةِ الصمت،
وتعرفُ الريحُ
أنَّ العبورَ ليسَ انتقالاً،
بل عودةٌ إلى ما نسيناهُ
قبل أن نُسمّى.
ترفعُ الروحُ
ستارةَ الأبد،
فتسقطُ عنها
أعمارٌ أثقلها الوقت،
كأوراقٍ تركها الخريفُ
على عتبةِ موسمٍ
لم يأتِ.
وتكتشفُ
أنَّ الزمنَ
لم يكنْ سوى ظلٍّ
لساعةٍ أضاعَتْ شمسَها،
وأنَّ المسافاتِ
ليستْ أكثرَ من وهمِ الخطى
حينَ تنسى
أنَّ القلبَ
أسرعُ من الطريق.
هناك
تجلسُ النجومُ
على حافةِ السكون،
وتنصتُ إلى موسيقى
لا يسمعُها
إلّا الغياب،
ذلكَ الوترُ الخفيُّ
الذي يعزفُ في الكون
أنشودةَ الحضور.
وتدركُ الروحُ
أنَّ الأجنحةَ
لا تنبتُ من الكتفين،
بل تزهرُ
في الشقوقِ التي يتركُها الحبُّ
حينَ ينكسرُ القلبُ
ولا يتعلمُ القسوة.
ما أضيقَ الأرضَ
حينَ نبني حدودَها
داخلَ أرواحِنا،
وما أوسعَ الكونَ
حينَ نخلعُ عن قلوبِنا
صدأَ اليقين،
ونتركُ للدهشةِ
أن تعيدَ ترتيبَ العالم.
ليسَ الموتُ
باباً يُغلقُهُ العدم،
ولا نافذةً
تنطفئُ خلفَها الحكاية،
إنَّهُ انعطافةُ الضوءِ
حينَ يغيّرُ
جهةَ القصيدة.
وليسَ الغيابُ
إلّا ماءً
يبدّلُ شكلَ الإناء،
ويبقى وفيّاً
لسرِّ الجريان.
فالأرواحُ لا تصعدُ
فالعلوُّ
لغةُ الأمكنة،
والروحُ أوسعُ
من الجهات.
إنَّها تمتدُّ
حتى يصبحَ الأفقُ
نبضاً في شريانِها،
ويغدو الفضاءُ
أصغرَ من قلبٍ
طهّرتهُ المحبة.
كلُّ محبةٍ
مجرةٌ جديدة،
وكلُّ قلبٍ
نجا من عتمةِ الكراهية
أشعلَ في ليلِ الخليقة
مصباحاً
لا تراهُ
إلّا الأرواحُ
التي ما زالتْ
تؤمنُ ببراءةِ المطر.
وحينَ تعودُ الأرواحُ
لا تعودُ إلى الأجساد،
بل يعودُ العالمُ
إلى صفائهِ الأول،
وتنهضُ المرايا
من تعبِ الوجوه،
ويخلعُ الترابُ
ثقلَ ذاكرتهِ،
ويعرفُ الإنسانُ
أنَّهُ لم يكنْ
ابنَ الطينِ وحدَه،
بل ابنُ ذلكَ النورِ
الذي أودعهُ اللهُ
في أولِ أنفاسِ الخليقة.
تُسافرُ الأرواحُ في ملكوتِها
ولا تتركُ خلفَها
أثراً تلتقطُهُ العيون،
بل رجفةً خفيّةً
تمرُّ في القلبِ
كأنَّها تذكُّرٌ
لحياةٍ سبقتِ الميلاد.
وعندها
لا يعودُ الخلودُ
وعداً ينتظرُهُ الزمن،
بل يصبحُ لحظةً
يعثرُ فيها النورُ
على اسمِه،
ويكتشفُ القلبُ
أنَّهُ كانَ،
منذُ البدءِ،
الطريقَ
الذي اختارهُ الضوءُ
ليعرفَ نفسَه.

شاهد أيضاً

متحدث باسم وزارة التجارة الصينية

الصين تشدد الضوابط على صادراتها إلى الولايات المتحدة من المواد ذات الاستخدام المزدوج المرتبطة بالطائرات المُسيَّرة

شفا – قررت الصين تشديد الضوابط على صادراتها إلى الولايات المتحدة من المواد ذات الاستخدام …