
هل كل من يحمل شهادة من كلية التربية يصلح أن يكون معلما؟ ، بقلم : د. فواز عقل
تبدأ هذه المقالة بمجموعة من الأسئلة حول الموضوع
1-هل يكفي الحصول على شهادة من كلية التربية ليصبح المرء معلما صالحا؟
2-هل كليات التربية تدرس التربية أو روح التربية؟ و هنا أقول :
لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخلافه
و العلم إن لم تكتنفه شمائل تعليه كان مطية الإخفاق
3-هل أصحبت مهنة التعليم مهنة من لا مهنة له؟
4-هل كل من حمل شهادة في موضوع ما قادر على تعليمه؟
5-هل كل من دخل الصف معلما؟
6-هل كل من دخل المدرسة طالبا؟
7-هل كل من نزل الميدان عداء؟
8-هل كل من ركب الخيل خيال؟
9-هل كل من صف صواني صار حلواني؟
10-هل دور المتعلم ثابت أم متغير؟
11-هل رسالة التعليم تصلح للكل؟
12-لماذا تعتبر مهنة التعليم أم المهن؟
13-هل يجب أن يكون المعلم نسخة لأحد؟
14-كيف يمكن الوصول إلى الغد و أنت ما زلت تفكر بالأمس؟
15- هل تغيير التفكير يغير النتيجة ؟
و هنا أقول :
إذا لم يكن فوق المجالس عالما فلا خير فيمن صدرته المجالس
و يقول مظفر النواب:
إذا لم يكن فوق المراكب عالما بالبحار فستنز
البذور القديمة لا تنتج ثمار جيدة
و هنا أقول:
رب حامل شهادة تربية ليس تربويا
ورب حامل اسم طبيب ليس طبيبا
و رب حامل شهادة آداب ليس أديبا
و رب حامل شهادة تاريخ لا يستفيد من دراسة التاريخ
و رب حامل شهادة مهندس ليس مهندسا
و رب فقيه ليس فقيها
و أبداع الشاعر حافظ إبراهيم بوصفه الدقيق لهذه الظاهرة :
و طبيب قوم قد أحل لطبه
ما لا تحل شريعة الخلاق
و مهندس للنيل بات بكفه
مفتاح رزق العامل المطراق
و أديب قوم تستحق يمينه
قطع الأنامل أو لظى الإحراق
و فقيه قوم ظل يرصد فقهه
لمكيدة أو مستحل طلاق
أنا أعتقد أن التخرج من الجامعة بشهادة من كلية التربية شرط ضروري لكنه غير كافي لتخريج معلما ناجحا فاعلا و أنا أرى أن شهادة كلية التربية هي بداية ليست نهاية ولا خاتمة و إن قبولها كمقياس وحيد لاختيار المعلم الأنسب بحاجة إلى نقاش لأن التعليم لا يغير العالم بل يغير الناس الذين سيغيرون العالم فنحن بحاجة إلى معلما صالحا صانعا للرغبة صانعا للفرص ، و أقول أيها المعلم كن قاربا كن مصباحا كن سلما كن شمعة كن نورا.
كما قال أحد الشعراء:
حملوا الشهادة دون أي ثقافة ختموا العلوم و أطفأوا القنديل
لأن كل رسالة يرسلها المعلم داخل الصف تترك أثرا و قد تكون ابتسامة أو تشجيعا أو نظرة اهتمام ، و الطالب لا يتعلم بالكلمات فقط بل يقرأ كل رسالة تصل إليه حتى و إن لم تقال.
كان الناس يؤمنون بالتعليم و انحرفت البوصلة و خنق الإيمان بالتعليم و أصبحت الشهادة و العلامات المرتفعة هي الهدف، و أصبح التعامل مع التعليم كوظيفة كبقية الوظائف.
كلما صغرت رسالة التعليم كلما تقزمت الأجيال و تحول المعلم من مربي أجيال يثير الشغف يصنع الرغبة يوقذ الدافعية إلى موظف ،و حين يصبح النجاح وصفة جاهزة يصبح البعض آلة نسخ يظن أن الطريقة التي نجح بها فلان تصلح للجميع، فيقلدونه في لباسه و صوته و كل شيء، لا يفكر فقط يكرر قال فلان.
و السؤال: هل يكفي الحصول على شهادة من كلية التربية من جامعة ما ليصبح معلما صالحا ؟ليس لأن شهادة التربية بلا قيمة بل لأن كونه معلما يتطلب مزيجا من الإعداد الأكاديمي و الإعداد الثقافي و الإعداد المهاري لا توفرها الشهادات الأكاديمية وحدها.
إن التفكير مهارة تتطور باستمرار ، فمعلم اليوم ليس كمعلم الأمس ، أضف إلى ذلك أن متطلبات و معايير كليات التربية تختلف من كلية إلى أخرى، و عند اختيار المعلمين بعض أنظمة التعليم تعتمد على الشهادة لاختيار الأنسب للمرشحين مع العلم أن الأنسب لا يقاس بالشهادة.
التعليم الحقيقي لا يهدف إلى تخريج جيوشا من الحفظة ، بل يهدف إلى بناء الضمير و زرع الرحمة و خلق إنسانا قادرا على التفاعل مع الآخرين بإنسانية.
كثير من الناس ينظرون للتجديد كتغيير في الأشخاص بينما التجديد الحقيقي يبدأ من مراجعة الفكر و تجديد أدوات العمل الجماعي و إعادة توجيه البوصلة بعد كل خطوة ،و مواجهة الأسئلة الصعبة التي يجب مواجهتها و التعلم من الخطأ.
إن المدرسة الحديثة و نظامها الصارم ولد بعد الثورة الصناعية في أوروبا، لا لتخريج مفكرين و فلاسفة ، بل لضخ عمال أكفاء في المصانع ، ففي المدارس الحديثة إن الوقوف في طابور الصباح و انتظار جرس الدخول والخروج و التلقين المستمر ليست مجرد تعليمات إدارية بل هي عملية ترويض لعقل الإنسان ، الغرض منها خلق إنسان مطيع يمتثل لأوامر الإدارة ولا يملك القدرة على التفكير خارج السرب، إنه نظام مستمد من العسكرية الصارمة التي لا تبحث عن إنسان يفكر بل عن جندي يمتثل للأوامر دون نقاش.
في هذا العصر أي إنسان يستطيع الوصول إلى المعلومة يمكنه أن يعمل في مهنة التدريس و لكن ليس كل مدرس يصبح معلما و مربيا و صاحب هدف ، المعلم الحقيقي هو الذي يدرك أهمية مهنته و مدى تأثيره على الطلاب، إن المعلم الذي ينتظر الطلاب درسه القادم يشغف لحسن معاملته و بشاشة وجهه هو القادر على تربية الطلاب و يزرع المبادئ الأخلاقية و الذي يترك أثرا طيبا في نفوس الطلبة من خلال مواقف.
هذا يذكرني بتفاخر كثير من المعلمين حيث يقولون: في حصتي ، في درسي لو رميت ابرة فإنك تسمع صوتها ، و هنا لا بد من الرد عليهم، إن هدوء صف فيه 40 دماغا أو أكثر يعني أن هذه الأدمغة معطلة تماما تفكر بكل شيء ما عدا التعلم مما يقزم الفرد و يقيده و يكبح طموحه و يقلل رغبته لأن البيئة الصفية يجب أن تكون كخلية نحل كلها نشاط و حيوية و إطلاق العنان للمتعلم كي يفكر و يحلل و يشارك و يناقش و يتفاعل و يتدخل المعلم عند اللزوم.
إن الطالب في حالات الخوف و التهديد لا يبحث عن الحقيقة بل يبحث عن إجابة تمنحه شعورا بالأمل و الأمان.
وأخيرا أقول، نحن التربويين المحاورون الذين فهمنا كل شيء نحتاج إلى كرة أرضية ثانية لنزرع فيها روح الأخلاق والتعليم والتربية والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.
- – د. فواز عقل – متخصص في شؤون التعليم و التعلم
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.