2:18 مساءً / 2 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

حراسة العقل الأيديولوجي للتربية في فلسطين: بين طموحات التطوير ومخاطر الذوبان ، بقلم : نسيم قبها

حراسة العقل الأيديولوجي للتربية في فلسطين: بين طموحات التطوير ومخاطر الذوبان ، بقلم : نسيم قبها

يشهد المشهد التربوي الفلسطيني اليوم تحولات نوعية تلامس جوهر هويته الوطنية، في ظل توجهات لتعديل استراتيجيات التعلم واعتماد مصادر التعليم المفتوح، ما يطرح أسئلة فلسفية عميقة حول علاقة التربية بالهوية، وحول قدرة الفلسطيني على حراسة عقله الأيديولوجي في زمن العولمة الرقمية والضغوط الدولية.

التربية ليست محايدة

المنهاج التربوي في أي أمة ليس مجرد حزمة معرفية، بل هو وعاء الهوية وصانع الوعي الجمعي. وفي فلسطين، حيث تتداخل التربية مع مشروع التحرر الوطني، تكتسي هذه القضية حساسية استثنائية. فالمنهاج الفلسطيني لم يكن يوماً أداة تعليمية بحتة، بل كان ساحة صراع تعكس إرادة شعب في التمسك بأرضه وتاريخه وثوابته. وعليه، فإن أي نقاش حول تطويره لا يمكن فصله عن سياقه السياسي والأيديولوجي.

بين التطوير والتفريغ

تتضارب الروايات حول حقيقة التعديلات المرتقبة. فوزارة التربية والتعليم تنفي رسمياً إجراء تغييرات جوهرية على المنهاج المعتمد، مؤكدة أن ما يُتداول فيه لغط وانحراف عن الفهم . غير أن مصادر تربوية تتحدث عن تعديلات وتغييرات واسعة ، واستبدال مصطلحات وطنية بأخرى “محايدة”، وإلغاء رموز وطنية وتاريخية ، إن صحت أخبار المصادر.

هذا التناقض بين النفي الرسمي والتسريبات الموثوقة يعكس أزمة ثقة بين المواطن ومؤسساته، ويكشف عن قلق وجودي من أن تكون التعديلات – حتى لو بدأت في القدس مثلا – جزءاً من مسار أوسع يخضع لضغوط خارجية. فالسلطة الفلسطينية التي تتلقى تمويلاً أوروبياً مباشراً للنظام التعليمي تواجه معادلة صعبة: بين الحفاظ على التمويل، والحفاظ على الهوية.

التعليم المفتوح: وهم الحياد؟

في سياق موازٍ، تتبنى الوزارة نظام “التعليم المفتوح” في المدارس الحكومية للمرحلة الأساسية الدنيا ، القائم على توظيف مصادر تعليمية رقمية مجانية تمنح المعلمين مرونة أكبر في تصميم العملية التعليمية.

هذا التوجه وإن بدا تطوراً تربوياً إيجابياً، إلا أنه يحمل في طياته مخاطر أيديولوجية لا تقل خطورة. فالمحتوى الرقمي المفتوح – الذي لم تخضعه جهة وطنية لعمليات فرز ومراجعة – قد يُدخل مضامين تتعارض مع الثوابت الوطنية الفلسطينية، بصورة غير مباشرة، من خلال بوابة “الحياد” و”العالمية”. فالمعرفة ليست محايدة، والمصادر التعليمية المفتوحة تحمل في طياتها فلسفات وقيم المجتمعات التي أنتجتها.

لقد حذر مشاركون في ندوات تربوية من أن نجاح هذا النموذج لا يرتبط فقط بكفاءته التربوية، وإنما أيضاً بقدرته على حماية السيادة التعليمية وصون الهوية الوطنية. ويتساءل تربويون عما إذا كان هذا القرار يستند إلى دراسات علمية مع أنه طبّق كنمذجة على عدة مدارس ، أم أنه جاء استجابة لضغوط خارجية.

الهوية بين الشفاهية والمنهاج

يكمن الخطر الأعمق في أن الحراك التطويري الحالي، في شقيه (تعديل المحتوى والتعليم المفتوح)، قد يُحدث انفصالاً بين الأجيال الصاعدة وذاكرتها الوطنية. فالمناهج ليست مجرد معلومات تُحفظ، بل هي الناقل الأساسي للقيم والثوابت. عندما تُحذف أسماء المدن الفلسطينية التاريخية ، وتُستبدل المصطلحات الوطنية بأخرى محايدة….، فإننا لا نعدّل منهاجاً، بل نعيد تشكيل وعي الأجيال.

كما أن الاعتماد على مصادر تعليمية مفتوحة دون ضوابط وطنية صارمة قد يُفقد المعلِّم دوره كحارس للهوية، ليصبح مجرد موزع لمحتوى عالمي، مما يُضعف دوره التربوي والأيديولوجي في آن واحد.

نحو استراتيجية وطنية لحراسة العقل

إن المطلوب اليوم ليس رفض التطوير، بل تأطيره وطنياً:

أولاً: ضرورة إخضاع أي تعديل منهاجي لحوار مجتمعي واسع، يشارك فيه الخبراء التربويون والمؤسسات الأهلية والشخصيات الوطنية. فالتعليم ليس شأناً وزارياً فحسب، بل هو قضية وطنية مصيرية.

ثانياً: تطوير معايير وطنية لفلترة المحتوى الرقمي المفتوح، بما يضمن أن تكون المصادر التعليمية المعتمدة متوافقة مع الهوية الفلسطينية وقيمها، مع الاستفادة من الإمكانات التقنية للتعليم المفتوح دون التفريط بالثوابت.

ثالثاً: الاستثمار في تأهيل المعلمين باعتبارهم حراس العقل الأيديولوجي، ليصبحوا قادرين على توظيف المصادر المفتوحة في سياق وطني، لا أن يكونوا مجرد أدوات لنقل محتوى خارجي.

رابعاً: الفصل بين قضية التمويل وقضية الهوية. فلا يمكن قبول أي دعم مشروط يمس بالثوابت الوطنية. فتمويل التعليم يجب أن يكون دعمًا للتعليم الفلسطيني، لا ثمنًا للتنازل عن الهوية.

التربية معركة وجود

التربية في فلسطين ليست مجرد عملية تعليمية، بل هي معركة وجود وصراع هوية. ومحاولات تغيير المناهج أو إدخال مصادر مفتوحة دون ضوابط وطنية، مهما تزينت بعناوين التطوير والحداثة، تبقى محاولات لـ إعادة تشكيل العقل الفلسطيني بما يتوافق مع أجندات خارجية.

إن حراسة العقل الأيديولوجي للتربية الفلسطينية تتطلب يقظة دائمة، وإرادة سياسية قادرة على القول: “نحن نطور تعليمنا، لكننا لا نفرط في هويتنا”. فالأجيال القادمة تستحق منهاجاً يربطها بأرضها وتاريخها، لا منهاجاً يقطع صلتها بماضيها ليصنع مستقبلاً بلا جذور. وفي النهاية، الهوية التي لا تُدرَّس في الفصول، لا تُعاش في الواقع.

  • – نسيم قبها – كاتب وباحث – الإئتلاف التربوي الفلسطيني .

شاهد أيضاً

الصين تكشف عن خطة خمسية لتطوير تعاونيات التوريد والتسويق من أجل تحسين الخدمات الريفية

الصين تكشف عن خطة خمسية لتطوير تعاونيات التوريد والتسويق من أجل تحسين الخدمات الريفية

شفا – CGTN – أصدرت الصين خطة خمسية لنظامها الوطني لتعاونيات التوريد والتسويق، بهدف تعزيز …