
لماذا يغيّرنا الألم ولا يغيّرنا الخير؟ ولماذا يتمسّك الناس بما يؤذيهم؟ بقلم : د. داليا الكردي
الجواب الأوّل بسيط إلى حدّ الإحراج: النفس لا تغير ما دام ما تفعله ينجح، فالنفس كائن اقتصاديّ بامتياز، فهي ليست باحثةً عن الحقيقة، انها مرة اخرى مدبّرةٌ اقتصاديةٌ بارعة؛ لا تسأل ان كان هذا صحيح؟ ستسأل فقط ان كان هذا يعمل؟ وكثيرٌ ممّا يعمل مؤلم، وكثيرٌ ممّا يؤلمنا ناجح جدا إذا نظرنا إليه بهذا المعيار. لذلك النفس لا تعيد رسم خرائطها ما دامت الخريطة القديمة توصلها إلى مقصدها. ونحن لا نتعلّم من الصواب، نتعلّم من الخطأ؛ فالخطأ وحده هو ما يُخبر الإنسان أنّ تصوّره عن العالم لم يطابق العالم، وأنّ عليه أن يصحّح. الرخاء لا يُنتج هذا الخلل، ولذلك لا يُنتج تعلّمًا. إنّه ليس أقلّ حكمة من الألم، لكنّه لا يُرسل فاتورة. اي اننا نبحث عن الاتزان وما دام الالم نقطة اتزان فلن نجد سبب للتغيير، وعندما اسير وفقا لتوقعاتي سأعتقد اني افهم العالم وافهم حياتي. ومن يعرف أنّ الجسر مكسور لا يعبره، فيبقى الجسر مكسورًا في خريطته إلى الأبد، حتّى لو أُصلح منذ سنين. وهكذا يعيش كثيرون في مدنٍ تغيّرت من دون أن يعلموا، متمسّكين بورقةٍ قديمة لم تُخطئ بهم مرّة، لأنّهم لم يمشوا بها مرّة.
هنا تنتهي البديهة، ويبدأ الجزء الذي نتجنّب النظر إليه: ليس كلّ ألم يعلّم أيضًا. فأكثر أشكال الألم حضورًا في العيادات هو الألم الذي لا يعلّم شيئًا، لأنّه لم يعد خللًا في التوازن، ولأنّه صار هو التوازن نفسه، وتحول من مشكلة الى حل لسبب واحد رئيس: لان الالم يضعف الدفاعات، والدفاعات هي الشيء الوحيد الذى حمى التجربة ، وسيكون المرور منه ابعد سيناريو، وسنعرف وقتها ان الدفاعات تعمل بشكل جيد.
خذ رجلًا يقول قبل كلّ فرصة: «لن أنجح». نسمعها فنراها هزيمة، فنهرع إلى تشجيعه وتفنيد كلامه، ثمّ نُدهش لأنّ التشجيع لا يصمد أكثر من ساعة، وعندها هو يحصل على القدرة على التنبوء،وخسارة هذا شيء مرعب، لذلك استطيع القول اننا مرعوبون من العبور. لكن جرّب أن تسأل سؤالًا مختلفًا: ما الذي تفعله هذه الجملة لصاحبها؟ إنّها تفعل الكثير. تحميه من خيبة السقوط لأنّها تُسقطه بيده أوّلًا. وتُعفيه من عبء المحاولة. والأهمّ من ذلك كلّه: حين يفشل فعلًا، لا يعيش الفشل كصدمة، وانما تأكيدًا لتوقعاته، ويقول لنفسه في سرّه: كنت أعرف.. وعندما تنجح المعاناة في تنظيم الحياة، تتحول من مشكلة إلى حل.
في تلك اللحظة بالذات يحدث ما لا ننتبه إليه: الرجل خسر الفرصة، لكنّه ربح شيئًا آخر وهو صحّة تنبؤه، خرج من التجربة مهزومًا في الواقع، ولكنه منتصرًا في المعرفة. وهذه الجائزة الصغيرة أثمن ممّا نظنّ، لأنّ أعمق ما يخيف الإنسان ليس الفشل، بل أن يصير عالمه غير قابل للتوقّع. القدرة على التنبّؤ هي الأرض التي يقف عليها الأمان النفسيّ كلّه؛ ومن يملك سرديّة تشرح له لماذا تسير حياته على هذا النحو يملك أرضًا يقف عليها، حتى لو كانت سرديّة قاسية. ولهذا يفضّل كثيرون أن يكونوا على حقّ في تعاستهم، على أن يكونوا مخطئين في احتمال سعادتهم، دون أن يعرفوا.
بهذا المعنى، التشاؤم ليس مزاجًا أسود ولا ضعفًا في الهمّة؛ إنّه قسط تأمين يُدفع مقدَّمًا. من خفّض توقّعاته إلى الصفر لم يعد لديه ما يُفقده، ومن أعلن هزيمته باكرًا نزع عن الغد سلاحه. لكن لكلّ بوليصة كلفة، وكلفة هذه أنّ صاحبها يدفع حياته كلّها ثمنًا ليشتري الطمأنينة.
ولذلك تفشل النصائح التي نغرق بها المتألّمين: «فكّر إيجابيًّا»، «غيّر نظرتك»، «أنت تستحقّ أفضل». نحن في كلّ مرّة نطلب من إنسان أن يتخلّى عن حلٍّ، دون أن نعطيه بديلًا يؤدّي الوظيفة نفسها. ولا يُنتزع العكّاز قبل أن تُداوى الساق.
والأدقّ أن نرى دفاعات الإنسان على حقيقتها: تتحول لانجازات ولا نراها كأعطال. فالدفاع لم يحمِ صاحبه من الألم، ولكنه حماه من ألمٍ لم يكن يملك حينها جهازًا يحتمله، أي ان الدفاع مرة اخرى كان الحامي للتجربة. الطفل الذي تعلّم ألّا يطلب لأنّ الطلب كان يجلب له الإذلال لم يُصب بخلل، هو اخترع أفضل حلّ كان متاحًا لطفل في موقعه. والحارس الذي وقف على الباب أربعين عامًا لا يتقاعد لأنّنا صحنا في وجهه أنّ الحرب انتهت، سيفعل هذا حين يطمئنّ أنّ أحدًا آخر صار قادرًا على الوقوف مكانه.
وهنا يتّضح لماذا يبقى الناس في مواضع تؤذيهم سنوات، وهم يعرفون تمامًا أنّها تؤذيهم. المسألة ليست جهلًا بالضرر ولا نقصًا في الإرادة، فالمعروف -مهما كان موجعًا- يظلّ أرحم من المجهول. الألم المألوف بيتٌ نعرف زواياه في العتمة، والشفاء أرض بلا خرائط، كما لو انك تغير في ديكور منزلك فتجد نفسك تصطدم بالاثاث لانك غير معتاد على مكانه الجديد، وكذلك تعمل أنفسنا من الداخل عند اي تغيير.
وقبل أن نعود إلى سؤالنا الأوّل، لا بدّ من الاعتراض على جملة صارت من فرط تداولها كالحقيقة: «ما لا يقتلني يقوّيني». هذه الجملة، بصيغتها المطلقة، من أكثر ما قيل في الألم رواجًا وأقلّه دقّة. فالألم في ذاته لا يُنضج؛ الألم بلا شاهد يُجمّد صاحبه في لحظته. ما يُنضج الإنسان ليس المشقّة، انها المشقّة التي وجدت من يحتملها معه، ومن يمنحها اسمًا ومعنى وقدرة على أن تُروى. لذلك يتغيّر الناس بالألم الذي وجد من يحتويه، ويتكرّرون عامًا بعد عام في الألم.
فلنعد الآن إلى السؤال: لماذا لا يغيّرنا الرخاء؟ لعلّ الصياغة الأدقّ بعيدة عن أنّنا نتغيّر بالألم، وهي في حقيقتها أنّنا نتغيّر حين يصير ثمن البقاء كما نحن أعلى من ثمن التغيير. الألم لا يعلّمنا شيئًا بذاته؛ هو فقط يرفع الفاتورة حتى لا نعود قادرين على تأجيل الدفع. والرخاء هو شيء صامت، يمنحنا كلّ شيء إلّا المطالبة.
وربّما المفهوم الذي يستحقّ أن يشغلنا اليوم ليس كيف نتعلّم من الألم؟، فهذا نتعلّمه مرغمين حين لا يبقى خيار، والاحرى بنا ان نقول: هل نستطيع أن نراجع أنفسنا قبل أن تصل الفاتورة؟
أن نسأل، ونحن في عافيتنا، عمّا نفعله ويبدو ناجحًا بينما هو يستنزفنا ببطء. من يفعل ذلك يكون قد اخترع نضجًا نادرًا في هذا العالم، وهو نضجًا بلا ثمن.
- – د. داليا الكردي – دكتوراه بالاشاد النفسي والتربوي .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.