2:28 مساءً / 28 يوليو، 2026
آخر الاخبار

المستوطن بوصفه أداةً للدولة: الضفة الغربية بين الضمّ الصامت واستراتيجية تفكيك الوجود الفلسطيني ، بقلم: الدكتورة ديمة أبو لطيفة

المستوطن بوصفه أداةً للدولة: الضفة الغربية بين الضمّ الصامت واستراتيجية تفكيك الوجود الفلسطيني ، بقلم: الدكتورة ديمة أبو لطيفة


في الثامن عشر من يوليو/تموز، غادرت عائلة فلسطينية منزلها في قرية تل، جنوب نابلس، قبل دقائق من أن يضرم مستوطنون النار فيه. نجا أفرادها الخمسة، لكنهم أصبحوا نازحين. انسحب المهاجمون، وبقي ما صنعه الهجوم: منزل محترق، وعائلة فقدت مأواها، وعودة تحولت إلى مخاطرة. في هذه المسافة بين انطفاء النار وبقاء أثرها تبدأ السياسة.


ليس أصعب على الفلسطيني من أن يُترك وحيداً في مواجهة الخطر، إلا أن يُطلب منه بعد ذلك أن يثبت للعالم أن الخطر كان موجوداً.
في نشرات الأخبار، قد تظهر واقعة قرية تل باعتبارها حادثة أخرى: اعتداء هنا، وحريق هناك، ومواجهة في قرية ثالثة. لكن السياسة لا تُفهم من الحادثة وحدها، بل من تكرار الحوادث ومن الجهة التي تستفيد من نتائجها، ومن النظام الذي يسمح باستمرارها.


لذلك، لا يقتصر السؤال في الضفة الغربية اليوم على سبب اعتداء المستوطنين على الفلسطينيين. السؤال الأعمق هو: ما الوظيفة السياسية التي يؤديها هذا العنف، ومن يحميه، وكيف تتحول نتائجه إلى جزء من مشروع يعيد تشكيل الأرض؟


وفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية المنشور في 25 يوليو/تموز 2026، سُجل منذ بداية العام أكثر من 1,330 اعتداءً نفذه مستوطنون وأسفر عن إصابات أو أضرار في الممتلكات، بمعدل تجاوز ستة اعتداءات يوميًا، وطالت هذه الاعتداءات نحو 250 تجمعًا فلسطينيًا.


كما أصيب قرابة 880 فلسطينياً في سياق هذه الاعتداءات، وأصبحت مرتبطة بأكثر من نصف الإصابات الفلسطينية المسجلة في الضفة خلال العام. أما الوفيات المرتبطة باعتداءات المستوطنين حتى 20 يوليو/تموز، فقد تجاوزت بالفعل حصيلة عام 2025 بكامله.
هذه الأرقام لا تصف انفلاتاً عابراً. إنها تصف نمطاً. والنمط في التحليل السياسي أهم من الحادثة؛ لأنه يكشف انتقال العنف من مستوى الاستثناء إلى مستوى البنية، ومن فعل فردي قابل للردع إلى وسيلة مستمرة لإنتاج واقع جديد.


المستوطن لا يرسم السياسة… لكنه يمهّد أرضها


من الخطأ النظر إلى المستوطن المتطرف باعتباره رجلاً غاضباً تحركه دوافع دينية أو قومية فحسب. فالأيديولوجيا تفسر جانباً من سلوكه، لكنها لا تفسر قدرته على تكرار الاعتداء، ولا اتساع المساحة التي يتحرك فيها، ولا مستوى الحماية أو الإفلات من العقاب الذي يتمتع به.
المستوطن، في البنية السياسية الراهنة، لا يحتاج إلى أن يتلقى أمراً مكتوباً من الحكومة حتى يؤدي وظيفة تخدمها. تكفي البيئة القانونية والسياسية والأمنية التي تمنحه شعوراً بأن ما يفعله لن يترتب عليه ثمن جدي.


وقد وثقت منظمة “يش دين” الإسرائيلية أن نحو 3% فقط من ملفات التحقيق التي فُتحت منذ عام 2005 بشأن الجرائم ذات الدوافع الأيديولوجية ضد الفلسطينيين انتهت بإدانات كاملة أو جزئية. كما وثقت قرابة ثلاثين حادثة عنف جماعي منظم بين عام 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، وأشارت إلى وجود جنود أو شرطة في ست عشرة منها، مع اتهامات بالمساعدة المباشرة أو غير المباشرة.
هنا ينبغي التوقف. فالدولة ليست مسؤولة فقط عندما تصدر أمراً بارتكاب الاعتداء. إنها تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية أيضاً حين تعرف أن العنف يتكرر، وتمتلك القدرة على منعه، ثم تفشل باستمرار في الردع والمحاسبة.


الإفلات المزمن من العقاب ليس فراغاً في السياسة؛ إنه سياسة بنتائجها، حتى عندما لا يُعلن رسمياً بوصفه كذلك.
المستوطن المتطرف يقتحم الأرض، ويضغط على الرعاة، ويعطل الوصول إلى مصادر المياه، ويرهب العائلات، ويهدد المحاصيل والمساكن. ثم يأتي الجهاز الإداري بعد ذلك ليجد أمامه واقعاً تغير: أرض قلّ استخدامها، عائلة رحلت، طريق أصبح خطراً، وتجمع فلسطيني فقد شروط بقائه.
لا توجد أدلة على أن كل اعتداء ينفذ بأمر حكومي، لكن أثره لا يبقى خارج السياسة. عندما تُجبر عائلة على الرحيل أو يتوقف الرعاة عن بلوغ أراضيهم، ينشأ واقع جديد. وإذا لم تعاقب السلطات المعتدين، ثم نظمت لاحقًا استخدام الأرض بما يكرس غياب أصحابها، يصبح الفصل بين العنف والسياسة صعبًا.


من يحمي هؤلاء؟


لا يمكن اختزال الحماية في صورة جندي يقف قرب مستوطن أثناء الهجوم، مع أن تقارير ميدانية كما أشرت سابقاً وثقت حالات رافق فيها مستوطنون مسلحون قوات إسرائيلية خلال اعتداءات على قرى فلسطينية. ففي يوليو/تموز 2026، وثقت الأمم المتحدة وقائع قُتل فيها فلسطينيون وأصيب آخرون خلال هجمات شارك فيها مستوطنون، بعضهم مسلح، مع وجود القوات الإسرائيلية. الحماية أوسع من ذلك، ولها مستويات عدة.


هناك الحماية السياسية التي توفرها أحزاب اليمين الديني والقومي، وفي مقدمتها التيارات التي يمثلها بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. هذه القوى لم تعد هامشاً احتجاجياً داخل إسرائيل؛ بل أصبحت جزءاً من قلب السلطة، وتملك حقائب وزارية وصلاحيات مؤثرة في إدارة الضفة الغربية والشرطة والتمويل والاستيطان.
وهناك الحماية الإدارية. فقد نُقلت صلاحيات كانت تدار تقليدياً ضمن منظومة عسكرية مؤقتة إلى وزارات وهيئات مدنية إسرائيلية. وترى الباحثة نعومي نيومان، من معهد واشنطن، أن هذه التحولات تسرّع الضم الفعلي عبر نقل إدارة قضايا الأرض والتخطيط من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، بما يدمج أجزاء من الضفة تدريجياً داخل النظام الإداري للدولة، من دون إعلان ضم رسمي شامل.
ناهيك عن الحماية القانونية والقضائية غير المتكافئة؛ إذ يعيش المستوطن والفلسطيني في الرقعة الجغرافية ذاتها، لكنهما لا يخضعان فعلياً للنظام القانوني نفسه ولا يتمتعان بالحقوق والحماية ذاتها.


وكذلك الحماية الخطابية؛ حين يُعاد توصيف الأرض الفلسطينية باعتبارها أرضاً متروكة، أو يُقدَّم الاستيطان باعتباره إجراءً أمنياً، أو يُختزل اعتراض الفلسطيني على الاستيلاء على أرضه في كلمة “تهديد”. فاللغة هنا لا تصف السياسة فقط؛ إنها تصنع الغطاء الأخلاقي اللازم لاستمرارها.
نتنياهو: إدارة التناقضات لا حلّها


ليس بنيامين نتنياهو مؤسس المشروع الاستيطاني، لكنه أحد أكثر السياسيين الإسرائيليين براعة في تحويل تناقضاته إلى أدوات لبقائه.
فهو يحتاج إلى اليمين الاستيطاني كي يحافظ على تماسك ائتلافه، ويحتاج في الوقت نفسه إلى واشنطن والعواصم الغربية كي يحافظ على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لإسرائيل. ويحتاج إلى توسيع السيطرة على الأرض لإرضاء شركائه، لكنه يفضّل غالبًا ألا يتحمل كلفة إعلان الضم الرسمي دفعة واحدة.
لهذا تتجلى مهارة نتنياهو في العمل داخل المسافة بين الفعل والإعلان: أن يتحقق الضم على الأرض، بينما يبقى الاسم الرسمي هو “إدارة النزاع”؛ وأن تتوسع سلطة الوزارات الإسرائيلية داخل الضفة، بينما يقال للعالم إن الوضع القانوني لم يتغير، وأن تضعف السلطة الفلسطينية، من دون إعلان الرغبة في إسقاطها رسمياً وأن يتقدم الاستيطان، مع إبقاء الحديث الدبلوماسي عن حلول مستقبلية غامضة.


ليس المطلوب في هذه الاستراتيجية قراراً دراماتيكياً واحداً يحمل عنوان “ضم الضفة الغربية”. الضم الأكثر فاعلية هو الذي يحدث بالتقسيط: قرار تخطيط، تسجيل أرض، بؤرة رعوية، شارع التفافي، صلاحية إدارية، منطقة عسكرية، هدم، ثم واقع جديد يصعب التراجع عنه.


وتوضح نيومان أن الإجراءات الإسرائيلية الحديثة تستهدف توسيع السيطرة اليهودية على المناطق المفتوحة، خصوصاً في المنطقة ” ج”، كما تشمل نقل صلاحيات مدنية وإدارية وتوسيع التدخل الإسرائيلي في بعض شؤون المنطقتين ” أ” و “ب”. وترى أن هذا المسار يضعف السلطة الفلسطينية ويقلص إمكانية تنفيذ حل الدولتين.
ومن هذه الزاوية، لا يكون عنف المستوطنين انحرافاً عن مشروع نتنياهو، بل عاملاً مساعداً له، حتى عندما تختلف الحكومة مع منفذيه في التوقيت أو الأسلوب.
فاليمين الاستيطاني يريد حسماً سريعاً ومعلناً، بينما يفضّل نتنياهو غالباً حسماً تراكمياً ومحسوباً. يختلفان على السرعة، لا بالضرورة على اتجاه الحركة.


سموتريتش وخطة الحسم


إذا كان نتنياهو يدير التناقضات، فإن بتسلئيل سموتريتش يسعى إلى إزالة الغموض عنها.
سموتريتش لا يخفي رؤيته السياسية للضفة؛ فقد طرح منذ عام 2017 ما سماه “خطة الحسم”، وهي رؤية تقوم، في جوهرها، على إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، وفرض السيادة الإسرائيلية، ووضع الفلسطيني أمام خيارات محدودة ضمن واقع تهيمن عليه الدولة اليهودية.
وتشير نعومي نيومان إلى أن سموتريتش استثمر موقعه المزدوج وزيراً للمالية وصاحب صلاحيات واسعة متصلة بالإدارة المدنية في دفع ما يسميه حزبه ثورة الاستيطان وتثبيت السيطرة على الأرض.


كما ترى الباحثة زيزيت دركزلي، من تشاتام هاوس، أن الإجراءات الحكومية التي قادها سموتريتش وبن غفير نقلت الضم من شعار أيديولوجي إلى عملية إدارية متسارعة. وتلفت إلى توسيع صلاحيات الوزارات الإسرائيلية، وإعادة تسجيل الأراضي باعتبارها “أملاك دولة”، وإلى أن هذه التدابير قد تشمل أراضي المنطقة “ج”، التي تمثل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.


في هذا السياق، لا تكون البؤرة الاستيطانية الصغيرة مجرد عدد محدود من البيوت المتنقلة. قد تكون أداة للسيطرة على مساحات أوسع بكثير من حجمها، خصوصًا عندما تكون “بؤرة زراعية” أو رعوية تمنع الفلسطينيين تدريجياً من الوصول إلى الأرض والمياه والمراعي.
المعادلة بسيطة في ظاهرها، خطيرة في نتائجها:
يُمنع الفلسطيني من الوصول إلى الأرض بسبب الخوف، يقل استخدامه لها، يصبح إثبات الملكية أو الحيازة أصعب، ثم تتدخل السلطات لإعادة تصنيف الأرض أو تنظيمها وفق نظام يخدم التوسع الاستيطاني.


هنا يتحول العنف من فعل انتقام إلى أداة هندسة جغرافية وديموغرافية.


الشارع الإسرائيلي: مجتمع واحد أم قبائل سياسية؟


مع ذلك، سيكون من الخطأ وصف المجتمع الإسرائيلي كله باعتباره مؤيداً بالدرجة نفسها للمشروع الاستيطاني أو للعنف.
إسرائيل اليوم مجتمع شديد الانقسام: يمين ديني قومي يرى الضفة جزءاً من “أرض إسرائيل” ويرفض الدولة الفلسطينية من منطلق أيديولوجي، ويمين أمني يقبل السيطرة لأسباب استراتيجية؛ ووسط سياسي يعارض بعض سلوك نتنياهو لكنه لا يقدم بالضرورة مشروعاً واضحاً لإنهاء الاحتلال ويسار تقلص تأثيره، وقطاع واسع أصبح ينظر إلى كل القضية الفلسطينية من خلف عدسة الخوف التي تعمقت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.


هذا الانقسام مهم، لكنه لا يعفي المجتمع من السؤال. فالمشكلة ليست فقط في حجم التأييد المباشر للعنف، بل في قدرة المجتمع على التعايش معه ما دام يقع خارج مجاله اليومي. قد يخرج مئات الآلاف للاحتجاج على المساس بالمحكمة أو على سياسات نتنياهو الداخلية، لكن ذلك لا يعني تلقائياً اعتراضهم على بنية السيطرة في الضفة.
إن الديمقراطية التي تناضل من أجل حقوق مواطنيها، بينما تقبل إخضاع شعب آخر لمنظومة عسكرية واستيطانية، تظل ديمقراطيةً منقوصة في معناها الأخلاقي، مهما بدت مؤسساتها قوية في الداخل.


لكن الانقسام الإسرائيلي يمثل في الوقت ذاته عنصراً في حسابات نتنياهو. فهو يعرف أن صورة الخطر الخارجي تساعده على إعادة ترتيب الداخل، وأن التصعيد في الضفة قد يُستخدم لإزاحة الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية السياسية وبالفساد، وبأداء الحكومة، وبمستقبل الدولة بعد سنوات من الحرب والاستقطاب.
وقد حذرت نيومان من أن اندلاع موجة أوسع من العنف في الضفة قد يمنح الحكومة ذريعة لتسريع سياساتها تحت عنوان “الاحتياجات الأمنية”، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، حين ترتفع القيمة السياسية لإظهار الحزم الأمني.
وهنا تظهر المعادلة الأخطر: العنف الاستيطاني قد يستفز رداً فلسطينياً، والرد الفلسطيني يتحول إلى مبرر لعملية عسكرية، والعملية العسكرية تتيح توسيع السيطرة، ثم يُستخدم التوسع لإقناع الجمهور بأن الخطر ما زال قائماً وأن الحكومة تحتاج إلى مزيد من القوة. إنها دائرة تنتج مبرراتها بنفسها.
إلى أين يقود هذا المسار؟


لا يمكن الجزم بما ستؤول إليه الضفة الغربية، لكن الاتجاه الحالي واضح: ضمّ يتقدم من دون إعلان رسمي.


فبدل قرار سياسي واحد، تتراكم إجراءات تبدو متفرقة: نقل صلاحيات إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، وتسجيل أراضٍ، وتوسيع مستوطنات، وشق طرق، وتشديد السيطرة على المياه والتخطيط حتى يتغير وضع الأرض فعلياً بينما يبقى توصيفها القانوني المعلن على حاله.


ولا يقتضي هذا المسار طرد الفلسطينيين جميعاً. يكفي أن تصبح الحياة في بعض التجمعات، ولا سيما الرعوية منها، غير قابلة للاستمرار: طريق مغلق، أو بئر يصعب الوصول إليه، أو اعتداء يتكرر، أو منشأة تُهدم، إلى أن تبدو المغادرة قراراً فردياً، مع أنها نتيجة بيئة قسرية متراكمة.


ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، نزح أكثر من 3,200 فلسطيني في الضفة خلال عام 2026 بسبب اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم المرتبطة بغياب تراخيص البناء.


والنتيجة المحتملة ليست دولة فلسطينية متصلة، بل تجمعات معزولة تتولى السلطة الفلسطينية إدارة سكانها وخدماتها، فيما تظل الأرض والحدود والموارد والحركة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.


غير أن إبقاء السلطة ضعيفة من دون إسقاطها ليس ترتيباً مضموناً؛ فالإضعاف المستمر قد ينتهي بانهيار فعلي أو فراغ أمني.
أما الخطر الأكبر فهو أن يولد هذا الضغط مواجهة أوسع. عندها قد تتحول الاستجابة الفلسطينية إلى مبرر لعمليات عسكرية جديدة، وتُستخدم تلك العمليات لتوسيع المناطق المغلقة أو تهجير تجمعات إضافية. وهكذا لا يعود التصعيد خروجاً عن مسار الضم، بل وسيلة لتسريعه.
أين يقف العالم؟


المفارقة أن المجتمع الدولي لا يفتقر إلى المعلومات، وإنما يفتقر إلى تحويل المعرفة إلى كلفة سياسية.
فأكثر من مئة دولة أدانت في فبراير/شباط 2026 الإجراءات الإسرائيلية التي توسع السيطرة على الضفة، لكن نعومي نيومان أشارت إلى أن هذه الإدانات لم تتحول إلى نتائج عملية، وأن الحكومة الإسرائيلية باتت ترى أن كلفة الاستمرار منخفضة.
أما تقارير الأمم المتحدة، فتسجل الاعتداءات والضحايا والتهجير والأضرار بدقة متزايدة، لكن التوثيق، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده حماية قرية أو منع إحراق منزل.


المشكلة إذن ليست غياب القانون، بل الانتقائية في تنفيذه. وليست غياب الشاهد، بل غياب الإرادة التي تحول الشهادة إلى مساءلة.


حين لا يدفع الاحتلال ثمناً سياسياً أو اقتصادياً أو قانونياً متناسباً مع أفعاله، تتحول بيانات الإدانة إلى جزء من المشهد الذي تعلمت الحكومات كيفية تجاوزه.
ماذا يُطلب فلسطينياً؟


ليس من الإنصاف مطالبة الفلسطيني بإنتاج حل كامل وهو الطرف الواقع تحت الاحتلال، لكن ذلك لا يعفي القيادة والقوى والمجتمع من مسؤولية بناء استراتيجية أكثر كفاءة.


أولاً: على مستوى السلطة والقيادة، المطلوب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة صراع تحرر وطني بأدوات سياسية وقانونية ومجتمعية متكاملة.


يبدأ ذلك بإعادة بناء الشرعية الداخلية، فلا يمكن مواجهة مشروع تفكيك الأرض بمؤسسات تفقد ثقة مواطنيها. الإصلاح السياسي، وتجديد المؤسسات، وتحديد المسؤوليات، ومكافحة الفساد، ليست ملفات داخلية مؤجلة؛ إنها شروط من شروط الصمود الوطني.


ويقتضي الأمر تأسيس غرفة وطنية دائمة لتوثيق الاستيطان والعنف والتهجير، تضم خبراء قانون وجغرافيا وإعلاماً ومؤسسات أهلية، وتحوّل كل واقعة إلى ملف متكامل: شهادة، إحداثيات، ملكية، صور، أضرار، وهوية المعتدين، وموقف القوات الموجودة.


كما يجب الانتقال من دبلوماسية طلب البيانات إلى دبلوماسية المطالبة بالإجراءات: حظر منتجات المستوطنات، وملاحقة الجهات التي تمول البؤر العنيفة، وتوسيع العقوبات الموجهة ضد الأفراد والمؤسسات المتورطة، وربط الاتفاقيات الدولية مع إسرائيل باستثناء الأراضي المحتلة وعدم دعم الضم.


ثانياً: على مستوى الفصائل، الوحدة لا تعني إعلاناً احتفالياً جديداً، بل اتفاقاً عملياً على الحد الأدنى: حماية المجتمع، وقف التحريض الداخلي، تنظيم المقاومة الشعبية والقانونية، ومنع تحويل الخلاف السياسي إلى صراع على السلطة تحت الاحتلال.


فالانقسام لم يعد مجرد خطأ فلسطيني؛ لقد أصبح مورداً استراتيجياً تستفيد منه إسرائيل. يسمح لها بالفصل بين غزة والضفة، وبين المدن والمخيمات، وبين المؤسسة والشارع، ويحول الفلسطيني من صاحب مشروع وطني إلى جماعات تدافع كل واحدة منها عن مجالها الضيق.
ثالثاً: على مستوى الشارع، المطلوب ليس دفع الناس إلى مواجهة غير متكافئة بلا حماية أو خطة، بل تنظيم الصمود.


يحتاج كل تجمع مهدد إلى لجان إنذار وتوثيق وإسناد قانوني، وشبكات اتصال مع القرى المجاورة، وصناديق دعم للمزارعين، وحضور منظم في مواسم الزراعة والحصاد، وتغطية إعلامية بلغات متعددة.


كما يجب مقاومة خطاب الكراهية ونزع الإنسانية، مهما بلغ الغضب. ليس لأن المعتدي يستحق التبرير، بل لأن الفلسطيني يحتاج إلى حماية تفوقه الأخلاقي والقانوني. يجب وصف الأفعال بأسمائها: إحراق، قتل، تهجير، استيلاء، إرهاب، وتمييز. فدقة اللغة أقسى على الجريمة من الشتيمة، لأنها تحولها من انفعال عابر إلى اتهام قابل للإثبات والمحاسبة.


رابعاً: على مستوى السردية، لا تكفي مخاطبة العالم بعبارة “نحن نتألم”. يجب شرح كيف يعمل النظام الذي ينتج الألم.
على الخطاب الفلسطيني أن يوضح أن الاعتداء ليس حادثاً منفرداً، وأن البؤرة ليست مجرد منزل، وأن الطريق ليست مشروع مواصلات، وأن الهدم ليس إجراءً تنظيمياً، وأن غياب المحاسبة ليس إهمالاً عابراً.


الرواية الأكثر تأثيراً هي التي تصل بين التفاصيل والبنية: بين الشجرة التي اقتُلعت وخريطة السيطرة، وبين الراعي الذي هُجّر ومشروع الضم، وبين المستوطن الذي اعتدى والوزير الذي وفر البيئة القانونية والسياسية لاستمرار الاعتداء.


إن ما يجري في الضفة الغربية ليس انتظاراً لحل سياسي، بل سباق على الأرض قبل أن يأتي أي حل.


في الوقت الذي تعمل إسرائيل على تحويل المؤقت إلى دائم، والاحتلال العسكري إلى إدارة مدنية، والاستيطان إلى سيادة، والعنف الفردي إلى نتيجة سياسية. يواصل العالم الحديث عن حل الدولتين، بينما تتآكل يومياً الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.


فإلى أين؟ إلى واقع تتحول فيه فلسطين إلى جزر سكانية بلا سيادة، ويصبح الاحتلال أقل ظهوراً في لغته وأكثر رسوخاً في مؤسساته؟


وإلى متى؟ إلى أن يكتشف العالم أن الدولة الفلسطينية التي ظل يَعِد بها لم تعد ممكنة على الخريطة التي سمح بتفكيكها؟
المسألة لم تعد مسألة تعاطف مع الفلسطيني. إنها اختبار لفكرة القانون ذاتها. فإذا أمكن للقوة أن تعيد تشكيل الأرض، وأن تنقل السكان، وأن تمنح جماعة حقوقاً وتحرم منها جماعة أخرى، ثم يستمر العالم في وصف ذلك بأنه “نزاع معقد”، فإن الخطر لن يبقى محصوراً في فلسطين.


عندما يفقد القانون معناه في مكان، يصبح مهدداً في كل مكان. والتاريخ، حين يكتب هذه المرحلة، لن يسأل فقط: ماذا فعل الاحتلال؟
سيسأل أيضاً: ماذا فعل الفلسطينيون لحماية مشروعهم الوطني؟ وماذا فعل العالم حين كانت الوقائع واضحة، والأدلة متاحة، والوقت ينفد؟

  • – الدكتورة ديمة أبو لطيفة – أستاذة الفكر الإسلامي والأيديولوجيات المعاصرة، جامعة الاستقلال – فلسطين

شاهد أيضاً

شي يحضر مراسم افتتاح فعاليات المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2026 ويلقي كلمة رئيسية

شي يحث على حشد قوة الصينيين المغتربين لبناء دولة قوية وإحياء نهضة الأمة الصينية

شفا – حث الرئيس الصيني، شي جين بينغ، على حشد قوة الصينيين المغتربين في خارج …