
بعد الطلاق… من يبدأ حياةً جديدة، ومن يبدأ معركةً جديدة؟ بقلم : ماتيلدا عواد
لفتني سؤال في أحد المواقع الإلكترونية يقول: “كيف تصبح حياة الرجل والمرأة بعد الطلاق؟”
وبدا لي أن السؤال، على بساطته، يخفي سؤالًا أعمق بكثير: هل يخرج الرجل والمرأة من الطلاق بالحمل نفسه؟ وهل يدفعان الثمن ذاته؟
نظريًا، يضع الطلاق نقطة النهاية لعلاقة زوجية، لكن الواقع لا يعرف هذه البساطة. فالورقة التي تُطوى في المحكمة كثيرًا ما تتحول خارجها إلى كتاب طويل من المسؤوليات والديون وإعادة بناء الذات، وإلى امتحان أخلاقي لا يبدأ إلا بعد أن ينتهي الزواج.
ولأن الإنصاف يقتضي الأمانة الفكرية، فلا يمكن الجزم بأن جميع الرجال يتخلون عن مسؤولياتهم، كما لا يمكن الادعاء بأن جميع النساء ضحايا مطلقات. فبين الرجال آباء نبلاء خاضوا معارك قاسية من أجل أبنائهم، وبين النساء من أسأن إلى أنفسهن وأطفالهن، وربما استخدمن الأبناء أداةً للانتقام من آبائهم. غير أن الحديث هنا ليس عن الاستثناء، بل عن ظاهرة اجتماعية تتكرر حتى غدت جزءًا من المشهد اليومي.
في كثير من الحالات، يبدو الطلاق وكأنه يحرر الرجل من ماضيه، بينما يربط المرأة به أكثر.
يمضي بعض الرجال إلى حياة جديدة، يتزوجون، ويؤسسون أسرة أخرى، وينجبون أطفالًا آخرين، ثم تُعرض حياتهم الجديدة بوصفها قصة نجاح واستقرار. وبعد سنوات، قد تسمع أحدهم يقول بثقة: “منذ أن طلقتها، استقرت حياتي.” وكأن هذا الاستقرار وُلد من فراغ، لا لأن أحدًا بقي في الخلف يحمل وحده أثقال الماضي وثمن المستقبل.
أما المرأة، فلا ترث من الزواج المنتهي ذكرياتٍ فقط، بل ترث الحياة بأكملها. ترث الأطفال، والمدارس، والمرض، والخوف، والمواعيد، والإيجار، والفواتير، والقلق الذي لا يعرف عطلة. وبينما يتفرغ أحد الطرفين لإعادة بناء حياته، تكون هي منهمكة في حماية حياةٍ أخرى من الانهيار.
وإذا كانت المرأة متعلمة، فإن شهادتها لا تعفيها من أعباء الأمومة، بل قد تصبح أول ما تؤجله. وقد تجد نفسها تؤخر مشروعها المهني، أو تطفئ موهبتها، أو تترك حلمًا كانت قد أمضت سنوات في بنائه، لأن طفلًا يحتاجها أكثر مما يحتاجها أي منصب أو نجاح. أما إذا لم تكن تحمل مؤهلًا علميًا، فإن الخيارات تضيق أكثر، وتصبح الحياة سلسلةً من الأعمال الشاقة التي تُنجزها بصمت، دون أن يلتفت إليها أحد.
لكن المعضلة لا تقف عند حدود المسؤوليات، بل تمتد إلى الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى كل طرف بعد الطلاق.
فالمجتمع، في كثير من الأحيان، لا يخاف من المرأة لأنها مطلقة، بل لأنه اعتاد أن يعرّفها من خلال علاقتها بالرجل. وحين تخرج من تلك العلاقة، يبدأ في البحث عن تعريف جديد لها، وغالبًا ما يكون تعريفًا قاسيًا أو ظالمًا. تصبح موضع أسئلة، وشائعات، وتأويلات، وكأنها مطالبة بأن تبرر خروجها، وصمتها، وعملها، وحتى نجاحها.
أما الرجل، فيُنظر إليه بوصفه فردًا مستقلًا عن حالته الزوجية، ولذلك يُمنح بسهولة فرصة أن يبدأ من جديد، ويُصفق له إن أعاد بناء حياته، بينما تُراقب المرأة وهي تعيد بناء حياتها بعين الشك، وكأن نجاحها يحتاج إلى تفسير، لا إلى احترام.
ومن أكثر المفارقات قسوة أن بعض الرجال ينجحون، بعد الطلاق، في إعادة كتابة صورتهم أمام الناس. فالرجل الذي كان داخل بيته مصدر خوف أو عنف أو تهديد، قد يظهر خارجه بصورة الإنسان الهادئ والمتزن، بينما تُنسج حول المرأة روايات لا علاقة لها بالحقيقة، لتبدو هي سبب الخراب، وكأنها لم تغادر بيتها هربًا من الأذى، بل هربًا من المسؤولية.
ونادرًا ما يطرح أحد السؤال الأكثر عدلًا: لماذا تغادر امرأة بيتها، وهي تعلم أنها ستواجه مجتمعًا لا يرحم، وأعباءً لا تنتهي، وربما فقرًا ووحدةً ونظراتٍ جارحة؟
فقليلون من يدركون أن بعض النساء لا يهربن من الزواج، بل يهربن من العذاب. يتخذن قرار الرحيل لأن البقاء أصبح أكثر قسوة من الخروج، ويحملن أبناءهن معهن لأنهن يؤمنّ أن النجاة الناقصة خير من الهلاك الكامل.
وهنا لا تعود القضية قضية رجل وامرأة، بل قضية مسؤولية وضمير.
فالطلاق لا يكشف أخلاق الإنسان أثناء الزواج، بل يكشفها بعد انتهائه. حين لا يعود هناك عقد يُلزم، ولا محكمة تراقب التفاصيل اليومية، ولا مجتمع يرى ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، يبقى الضمير وحده شاهدًا على الإنسان.
فالأب الحقيقي لا يتوقف عن كونه أبًا لأن الزواج انتهى، والأم الحقيقية لا تتوقف عن كونها أمًا لأنها أُرهقت. لكن حين يتخلى أحد الوالدين عن مسؤوليته، فإن الضحية الأولى ليست الزوجة السابقة ولا الزوج السابق، بل الأطفال الذين يكبرون وهم يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.
إن الطلاق لا ينتهي عند باب المحكمة، بل يبدأ منه. وهناك، بعد أن تجف الأحكام، تبدأ الحقيقة.
فالطلاق ليس الامتحان الحقيقي للإنسان… بل الامتحان الحقيقي يبدأ عندما لا يبقى بين الطرفين إلا الضمير، ويصبح الضمير وحده هو القانون الأخير.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.