4:06 مساءً / 27 يوليو، 2026
آخر الاخبار

من أجل قوة فتح .. الفصل بين الأجسام التشريعية والتنفيذية والرقابية ضرورة تنظيمية ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

من أجل قوة فتح .. الفصل بين الأجسام التشريعية والتنفيذية والرقابية ضرورة تنظيمية ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

إذا كانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” تريد أن تستعيد قوتها التنظيمية، وتعيد بناء مؤسساتها على أسس أكثر صلابة، فإن أحد أهم مداخل الإصلاح التنظيمي يتمثل في ترسيخ الفصل الواضح بين الأجسام التشريعية والتنفيذية والرقابية والقضائية داخل الحركة، مع الحفاظ على وحدة الحركة ووحدة قرارها ومرجعيتها.

فالحركة القوية ليست التي تتعدد فيها مراكز النفوذ، وإنما التي تكون فيها المؤسسات واضحة الاختصاص، محددة الصلاحيات، متكاملة الأدوار، وقادرة على ممارسة مهامها دون تداخل أو تضارب.

وفي هذا السياق، فإن المجلس الثوري لحركة فتح، باعتباره الجسم التشريعي والمرجعية الرقابية السياسية والتنظيمية العليا في إطار الحركة، ينبغي أن يمارس دوره في إقرار الأنظمة واللوائح والسياسات العامة، ومناقشة أداء الهيئات القيادية والتنفيذية، ومراجعة المسار التنظيمي، بما يضمن أن تبقى الحركة ملتزمة بنظامها الداخلي وقرارات مؤسساتها.

أما اللجنة المركزية ومفوضياتها، باعتبارها الجسم التنفيذي، فإن مسؤوليتها الأساسية تتمثل في قيادة العمل التنظيمي والسياسي وتنفيذ قرارات الحركة، ووضع الخطط والبرامج، وإدارة الملفات والمفوضيات، وتحمل المسؤولية المباشرة عن مستوى الأداء والإنجاز، وفقا للصلاحيات التي يحددها النظام الداخلي وقرارات الحركة.

وفي المقابل، فإن الجسم الرقابي، ممثلا في لجنة الرقابة الحركية وحماية العضوية ولجنة الرقابة المالية، يجب أن يتمتع بالقدرة والاستقلالية اللازمة لممارسة دوره في الرقابة والمتابعة والتدقيق، وحماية حقوق العضوية، ومراجعة الأداء المالي والتنظيمي، ورصد أوجه الخلل، ورفع التوصيات والتقارير إلى الجهات المختصة، دون أن يتحول إلى طرف في التنفيذ أو أن يخضع في عمله للجهة التي يفترض أن يراقب أداءها.

وهنا تبرز قاعدة مؤسسية أساسية: من يشرع لا ينفذ، ومن ينفذ لا يراقب نفسه، ومن يراقب لا يكون شريكا في التنفيذ. وهذا لا يعني الفصل التام بين هذه الأجسام، بل يعني الفصل في الاختصاصات، مع التكامل والتنسيق في إطار النظام الداخلي للحركة.

لكن هذه المنظومة، مهما بلغت درجة تنظيمها، لا يمكن أن تستقيم بصورة كاملة دون وجود محكمة حركية فاعلة وقوية ومستقلة في أدائها، تكون المرجعية القضائية التنظيمية التي تحتكم إليها الحركة وأعضاؤها عند وقوع الخلافات أو المخالفات التنظيمية.

فالمحكمة الحركية ليست أداة للعقاب، وإنما هي قبل ذلك ضمانة للعدالة التنظيمية، وحماية للعضوية، وصمام أمان يمنع التعسف في استخدام الصلاحيات، ويضمن أن تكون المحاسبة وفقا للقانون والنظام، لا وفقا للعلاقات الشخصية أو التقديرات الفردية.

ومن هنا، فإن وجود محكمة حركية قوية وفاعلة يتطلب أن تكون إجراءاتها واضحة، واختصاصاتها محددة، وأحكامها محترمة وواجبة النفاذ داخل الأطر التنظيمية، مع ضمان حق الدفاع، وسماع أطراف النزاع، وتوفير درجات التقاضي أو المراجعة التي ينص عليها النظام، بما يرسخ الثقة بالعدالة الحركية.

إن المطلوب اليوم ليس فقط إعادة توزيع المناصب أو تغيير الأشخاص، وإنما إعادة بناء العلاقة بين المؤسسات الفتحاوية على أساس واضح: مجلس ثوري يمارس دوره التشريعي والرقابي السياسي والتنظيمي، ولجنة مركزية ومفوضياتها تتولى مسؤولية التنفيذ، ولجان رقابية تمارس الرقابة المالية والتنظيمية وحماية العضوية، ومحكمة حركية تفصل في النزاعات والمخالفات التنظيمية وفق قواعد العدالة والانضباط.

وعندما تتكامل هذه الأجسام، ويعرف كل جسم حدوده واختصاصاته، وتصبح الصلاحية مرتبطة بالمسؤولية، والقرار خاضعا للرقابة، والمخالفة خاضعة للمحاسبة، والعضو محميا بالنظام، فإن الحركة تصبح أكثر قدرة على حماية وحدتها الداخلية.

إن قوة فتح لا تكون بتجميع الصلاحيات، وإنما بتوزيعها بصورة مؤسسية متوازنة. ولا تكون بإضعاف الرقابة، وإنما بتفعيلها. ولا تكون بإلغاء المساءلة، وإنما بجعلها عادلة ومنظمة. ولا تكون بتهميش المحكمة الحركية، وإنما بتحويلها إلى مؤسسة حقيقية للعدالة التنظيمية.

إن فتح القوية هي فتح المؤسسات؛ فتح التي يكون فيها المجلس الثوري قويا في دوره، واللجنة المركزية فاعلة في تنفيذ مسؤولياتها، ومفوضياتها قادرة على الإنجاز، ولجان الرقابة مستقلة في عملها، والمحكمة الحركية حاضرة بقوة القانون والنظام.

فإذا أردنا حركة فتح أكثر قوة ووحدة وقدرة على مواجهة المرحلة المقبلة، فعلينا أن ننتقل من ثقافة تداخل الصلاحيات إلى ثقافة تكامل المؤسسات، ومن الشخصنة إلى المؤسسية، ومن الاجتهادات الفردية إلى الاحتكام للنظام.

وبكلمة واحدة: لا تستقيم قوة فتح إلا عندما تستقيم مؤسساتها؛ ولا تستقيم مؤسساتها إلا بالفصل الواضح بين التشريع والتنفيذ والرقابة والقضاء الحركي، في إطار من التكامل، والاحترام المتبادل للاختصاص، والاحتكام الكامل للنظام.

شاهد أيضاً

كبير الدبلوماسيين الصينيين يحضر اجتماع رفيع المستوى بشأن مبادرة التنمية العالمية

شفا – CGTN – من المقرر عقد الاجتماع رفيع المستوى بشأن مبادرة التنمية العالمية في …