
الدولة الفلسطينية تبدأ قبل إعلانها ، بقلم: المهندس غسان جابر
اعتدنا، طوال عقود، أن نتعامل مع الدولة الفلسطينية بوصفها لحظة سياسية ننتظرها.
قرار من الأمم المتحدة…
اعتراف من دولة كبرى…
اتفاق سلام…
أو توقيع على وثيقة تاريخية.
لكن ماذا لو كنا ننظر إلى القضية من الزاوية الخطأ؟
ماذا لو كانت الدولة لا تبدأ يوم إعلانها…
بل تبدأ قبل ذلك بسنوات؟
بل ربما بعقود؟
أعتقد أن هذا هو السؤال الذي يجب أن يقود التفكير الفلسطيني في المرحلة القادمة.
لقد خاض الشعب الفلسطيني واحدة من أطول حركات التحرر الوطني في التاريخ الحديث، وقدم من التضحيات ما جعل قضيته حاضرة في ضمير العالم، وحقق اعترافًا دوليًا واسعًا بحقه في إقامة دولته. لكن النقاشات الدائرة اليوم حول إصلاح المؤسسات، والوحدة الوطنية، وإعادة بناء النظام السياسي، تشير إلى أن التحدي لم يعد يقتصر على الوصول إلى الدولة، بل امتد إلى كيفية بنائها وإدارتها.
وهنا، في تقديري، يجب أن نغيّر السؤال.
لسنوات طويلة كان السؤال:
متى ستقوم الدولة الفلسطينية؟
أما اليوم، فقد أصبح السؤال الأهم:
هل بدأنا فعلًا في بنائها؟
إن أخطر خطأ يمكن أن تقع فيه الشعوب هو أن تعتقد أن إعلان الدولة هو نهاية الرحلة.
في الحقيقة…
إعلان الدولة هو بداية الامتحان.
فالاستقلال يمنحك العلم والنشيد والمقعد في الأمم المتحدة.
أما النجاح، فلا يمنحك إياه أحد.
إنه يُبنى.
ولهذا فإن الدول لا تولد بقرار سياسي فقط.
إنها تولد عندما يصبح القانون أقوى من النفوذ.
وعندما تصبح الكفاءة معيارًا للمسؤولية.
وعندما تتحول المدرسة إلى مصنع للمستقبل.
والجامعة إلى مركز للابتكار.
والبلدية إلى شريك في التنمية.
والقضاء إلى عنوان للثقة.
والاقتصاد إلى منتج للقيمة، لا مستهلكًا للمساعدات.
لقد استهلك الفلسطينيون ثلاثين عامًا في الجدل حول سؤال واحد:
من يحكم؟
بينما كان السؤال الذي يستحق كل هذا الجهد هو:
كيف يجب أن تُحكم الدولة؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين إدارة سلطة، وبناء وطن.
ولهذا فإنني أعتقد أن القضية الفلسطينية تقف اليوم أمام انتقال تاريخي.
لقد كانت المرحلة الماضية مرحلة تثبيت الحق الوطني.
أما المرحلة القادمة، فهي مرحلة إثبات القدرة الوطنية.
قدرتنا على بناء مؤسسات حديثة.
وقدرتنا على إنتاج اقتصاد قادر على الصمود.
وقدرتنا على إعداد جيل ينافس العالم بالعلم والمعرفة.
وقدرتنا على تحويل طاقات الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى قوة إنتاج، لا إلى طاقات مهدرة.
ولذلك، فإن المشروع الوطني لم يعد بحاجة إلى برنامج سياسي فقط.
إنه بحاجة إلى مشروع تأسيسي.
مشروع يجيب عن الأسئلة التي تجاهلناها طويلًا.
كيف سيكون اقتصاد الدولة؟
كيف سنضمن استقلال القضاء؟
كيف سنبني نظامًا تعليميًا يواكب الثورة التكنولوجية؟
كيف نجعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي جزءًا من مشروعنا الوطني؟
كيف نحرر الإدارة العامة من البيروقراطية؟
وكيف نجعل الكفاءة، لا المحاصصة، أساسًا لاختيار القيادات؟
من هنا، أطرح فكرة أرى أنها لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية.
أن تبدأ منظمة التحرير الفلسطينية، بالتعاون مع الجامعات، والنقابات، والقطاع الخاص، ومراكز الأبحاث، بإطلاق وثيقة “فلسطين 2040″… الدولة قبل إعلانها.
وثيقة لا تحدد أسماء الحكومات، بل تحدد ملامح الدولة.
وثيقة تصبح مرجعية وطنية لأي حكومة قادمة، مهما اختلفت نتائج الانتخابات أو تغيرت القيادات.
فالدول الناجحة لا تبنيها الحكومات وحدها.
بل تبنيها الرؤية التي تلتزم بها الحكومات.
إن العالم قد يساعد الفلسطينيين في الوصول إلى الدولة.
لكنه لن يبني لهم مؤسساتها.
ولن يضع مناهج مدارسها.
ولن يطور جامعاتها.
ولن يبني اقتصادها.
ولن يصنع ثقة المواطن بها.
هذه مسؤولية فلسطينية خالصة.
ولهذا، فإنني أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يسبق كل حوار وطني، وكل برنامج انتخابي، وكل نقاش سياسي، لم يعد:
متى ستُعلن الدولة الفلسطينية؟
بل:
ماذا نفعل اليوم حتى تبدأ الدولة الفلسطينية قبل إعلانها؟
فالدول العظيمة لا تبدأ يوم تُرفع أعلامها…
بل تبدأ يوم تقرر شعوبها أن تبني الإنسان، والمؤسسة، والقانون، قبل أن تبني القصر الرئاسي.
وحين نفهم هذه الحقيقة، سنكتشف أن معركة الفلسطينيين المقبلة ليست فقط معركة إنهاء الاحتلال…
بل معركة بناء الدولة التي تستحق أن تعيش، وأن يفتخر بها أبناؤها، وأن يحترمها العالم.
- – المهندس غسان جابر – القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.