12:50 صباحًا / 9 يوليو، 2026
آخر الاخبار

الحرب والاقتصاد في القدس.. الأسواق بين كلفة الصراع وتعثر السياسة ، بقلم : عبد الباري فياض

الحرب والاقتصاد في القدس.. الأسواق بين كلفة الصراع وتعثر السياسة ، بقلم : عبد الباري فياض


في الصراعات الممتدة، لا تكون الجبهات العسكرية وحدها ساحة للخسائر، بل يمتد أثرها إلى الاقتصاد الذي يلامس حياة الناس بصورة مباشرة. وفي الحالة الفلسطينية، تبدو القدس نموذجًا واضحًا لهذه المعادلة؛ إذ لم تعد المدينة تواجه تداعيات التوتر الأمني والسياسي فحسب، وإنما تعيش أزمة اقتصادية أعادت تشكيل حركة التجارة وسبل العيش، ووضعت آلاف التجار وأصحاب الأعمال الصغيرة أمام تحديات غير مسبوقة.


منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقدت القدس جانبًا كبيرًا من حركتها التجارية المعتادة. ومع تشديد الإجراءات الأمنية، وتراجع السياحة، وانخفاض القوة الشرائية، أصبحت الأسواق التقليدية، ولا سيما في البلدة القديمة، تعمل بوتيرة أقل كثيرًا مما كانت عليه، بينما وجد كثير من التجار أنفسهم أمام ارتفاع مستمر في تكاليف التشغيل مقابل تراجع المبيعات. وتشير تقديرات الغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس إلى أن نسبة محدودة فقط من المحال واصلت العمل بصورة طبيعية خلال فترات من الحرب، في حين تعرض القطاع السياحي لشلل واسع، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي واجهها الاقتصاد المقدسي.


ولا يرتبط هذا الواقع بالحرب وحدها، بل بطبيعة الاقتصاد المقدسي نفسه. فالمدينة تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والخدمات والسياحة الدينية، وهي قطاعات تتأثر سريعًا بأي اضطراب أمني أو سياسي. ولذلك، لم يعد الركود مجرد حالة مؤقتة، بل تحول إلى أزمة دفعت كثيرًا من أصحاب الأعمال إلى تأجيل الاستثمار، وتقليص النشاط، وأحيانًا إغلاق محالهم بصورة نهائية.


وتظهر آثار ذلك في تفاصيل الحياة اليومية. فإغلاق بعض المحال، وتقليص ساعات العمل، وتراجع فرص التوظيف، لم تعد مجرد مؤشرات اقتصادية، بل أصبحت واقعًا يطال آلاف الأسر التي تعتمد على النشاط التجاري داخل المدينة. كما أن القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين بين الضفة الغربية والقدس أضعفت أحد أهم مصادر الحركة التجارية، بعدما شكّل المتسوقون والعمال القادمون من مدن الضفة عنصرًا رئيسيًا في الدورة الاقتصادية للمدينة على مدى سنوات.


وفي المقابل، لم تنجح التطورات السياسية حتى الآن في توفير البيئة اللازمة لتعافي الاقتصاد. فالمفاوضات غير المباشرة ما زالت تصطدم بخلافات حول وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى والمحتجزين، ومستقبل إدارة قطاع غزة، والترتيبات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب. وبينما تستمر جولات التفاوض دون اختراق حاسم، يبقى غياب الأفق السياسي أحد أبرز العوامل التي تحد من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على استعادة نشاطه.


ولا ينعكس هذا المشهد على قطاع غزة وحده، بل يمتد إلى الضفة الغربية والقدس أيضًا. فالاستثمار بطبيعته يقوم على توقعات المستقبل، وعندما يغيب الاستقرار، تتراجع قرارات التوسع، ويصبح الحفاظ على النشاط القائم هو الأولوية بالنسبة لغالبية أصحاب الأعمال.


وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب عن تحديات داخلية فلسطينية لا يمكن تجاهلها. فالانقسام السياسي المستمر منذ سنوات أضعف قدرة المؤسسات الفلسطينية على بناء سياسات اقتصادية موحدة وإدارة الأزمات بكفاءة أكبر. كما أن تعدد مراكز القرار حدّ من فرص تطوير أدوات أكثر فاعلية لدعم القطاعات المتضررة، سواء في القدس أو الضفة الغربية أو قطاع غزة.


ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة التجربة الفلسطينية تبدو ضرورية. فقد انشغلت القوى الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، بإدارة الصراع في أبعاده السياسية والعسكرية، بينما لم يحظ بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أو تطوير مؤسسات موحدة بالأولوية نفسها. ولا يعني ذلك تحميل طرف واحد مسؤولية الأزمة، لكنه يسلط الضوء على أهمية بناء إدارة فلسطينية أكثر تكاملًا، تنظر إلى الاقتصاد باعتباره أحد عناصر الصمود الوطني، لا ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد انتهاء الصراع.


وفي المقابل، فإن المقاربة الإسرائيلية القائمة بصورة أساسية على الأدوات الأمنية لم تنجح هي الأخرى في إنتاج استقرار مستدام. فبعد ما يقارب ثلاثة أعوام من الحرب، ما تزال المنطقة تعيش دورة متكررة من التصعيد والتهدئة، فيما تستمر القيود المفروضة على الحركة والتجارة في تعميق الضغوط الاقتصادية على الفلسطينيين، دون أن تفتح مسارًا سياسيًا قادرًا على معالجة أسباب الصراع على المدى الطويل.


وتكتسب القدس خصوصية مختلفة في هذا السياق، لأن تراجع النشاط في أسواقها التاريخية لا يمثل خسارة اقتصادية فحسب، بل ينعكس أيضًا على البنية الاجتماعية للمدينة وقدرة سكانها على الحفاظ على وجودهم الاقتصادي في ظل ظروف تزداد تعقيدًا.


تجربة القدس أثبتت أن الاقتصاد لم يعد نتيجة جانبية للصراع، بل أصبح أحد ميادينه الرئيسية. فاستمرار تراجع النشاط التجاري لا يهدد دخول الأسر فقط، بل يؤثر في قدرة المدينة على الحفاظ على حيويتها واستقرارها الاجتماعي. ومن هنا، فإن أي تسوية سياسية لن تُقاس بوقف إطلاق النار وحده، وإنما بقدرتها على إعادة الحياة إلى الأسواق، وخلق بيئة تسمح للتجار بالاستثمار، وللسكان بالعمل، وللاقتصاد المحلي باستعادة دوره. فبدون ذلك، سيظل التعافي هشًا، وستبقى القدس تدفع كلفة صراع تتجاوز آثاره الميدان العسكري إلى تفاصيل الحياة اليومية.

شاهد أيضاً

استطلاع: آيزنكوت يتفوق على نتنياهو ويائير غولان يواصل التقدم ويحصد 10 مقاعد

شفا – أكد استطلاع جديد للرأي العام في إسرائيل الاتجاه الذي أظهرته الاستطلاعات في الفترة …