
كنفاني لا يَخنُقُه صَهريج ، موت لا يشبه الموت ، بقلم : نسيم قبها
في الثامن من يوليو، يتوقف الزمن عند عتبة لا تعرف الموت. هل رحل غسان كنفاني ، أم انتقل من شكل الوجود إلى آخر، من جسد يكتب إلى كلمات تكتب الأجساد. هل يموت من قال: “نحن لا نختار وطننا، لكننا نختار أن نبقى”؟ أم أنه اختار أن يصبح وطنا متنقلا في ذاكرة كل من قرأه؟
قد تبدو هذه مفارقة المبدع الفلسطيني: يكتب عن النكبة فيغدو النكبة ذاتها كتابة مفتوحة على التأويل. يروي حكاية سعيد في “رجال في الشمس”، ذلك الذي يخنقه الهواء في صهريج الماء، فيتحول الخنق إلى استعارة كبرى عن وطن يختنق بأبنائه قبل أعدائه. أليس هذا هو السؤال الفلسفي الأعمق: كيف نكون أحرارا ونحن نصنع أغلالنا بأيدينا؟ كيف نبني من اليأس جسرا ونسميه أملا؟
كنفاني فيلسوف الوجع اليومي، يرى في تفاصيل الحياة اليومية للاجئ ما لا تراه النظريات السياسية. كان يعرف أن البطولة ليست في الموت، بل في الإصرار على الحياة رغم كل شيء. لكنه أيضا كان يعرف أن الموت قد يكون أحيانا امتدادا للحياة، كما في موته هو نفسه: انفجار سيارة في بيروت ينهي حياة كاتب، لكنه يطلق آلاف الأسئلة في الفضاء.
أليس الموت أشرف لحظات الحياة حين يكون في سبيل قضية؟ أم أن الحياة نفسها هي القضية الأسمى؟ هنا تتشابك الخيوط الفلسفية: غسان الذي كتب عن المقاومة، ومات مقاوما، يطرح علينا سؤالا مفتوحا عن معنى التضحية. هل كانت كتابته تمهيدا لموته، أم كان موته امتدادا لكتابته؟
في ذكراه، لا نقف حدادا، بل نقف متسائلين. كيف لرجل أن يكتب فلسطين في كل حرف، فيصبح الحرف فلسطين؟ كيف للكلمة أن تصبح وطنا حين يضيع الوطن؟ كنفاني علمنا أن الهوية ليست أرضا فقط، بل رواية نرويها باستمرار. أن نكتب يعني أن نوجد، وأن نوجد يعني أن نقاوم النسيان.
اليوم، بعد عقود من رحيله، لا تزال أسئلته تنبت كأشجار الزيتون في تربة الجفاف. يسألنا: هل آن أوان أن نخرج من صهاريجنا؟ هل آن أوان أن نتنفس رغم كل شيء؟ هل يمكن للأدب أن يكون سلاحا أكثر فتكا من القنابل، لأنه لا يقتل الأجساد بل يحرر الأرواح؟
غسان كنفاني لم يمت كيف أفهم الموت . هو الآن كلماته التي تتسلل إلى وجدان كل قارئ، هي ذاكرة الشعب التي لا تموت، هي السؤال الذي ينتظر إجابة، والإجابة التي تنتظر سؤالا جديدا. في كل ذكرى، نكتشف أننا لم نفهم كنفاني بعد، لأن فهمه يعني أننا فهمنا أنفسنا، وهذا أصعب ما في الأمر.
أيها المبدع النائم : أنت لم ترقد أبدا، لأن الكلمات هنا لا تنام، والأسئلة لا تهدأ، وفلسطين في حروفك أكثر بقاء من فلسطين في خرائطها…
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.