12:19 صباحًا / 5 يوليو، 2026
آخر الاخبار

مذكرات مطارد (5) حين أنقذنا الخوف… وخدعتنا الأغنام ، بقلم : د. عمر السلخي

مذكرات مطارد (5) حين أنقذنا الخوف… وخدعتنا الأغنام ، بقلم : د. عمر السلخي

مذكرات مطارد (5) حين أنقذنا الخوف… وخدعتنا الأغنام ، بقلم : د. عمر السلخي

اشتد برد الشتاء، وازدادت العيون التي تلاحقنا في كل زقاق. كنا ندرك أن المطاردة لم تعد تعتمد على الحواجز العسكرية وحدها، بل على المراقبة الدائمة، وعلى أي خطأ صغير قد يقود إلى الاعتقال.

في أحد الأيام عدنا إلى “تعميرة المغارة”، فلاحظنا أن ترتيب الفراش لم يعد كما تركناه. كانت تلك الإشارة كافية لإثارة الشك. تبادلنا النظرات، وناقشنا الأمر طويلاً. كنا نعتمد دائماً على استراتيجية تغيير أماكن النوم بصورة مستمرة، فلا نبقى في المكان نفسه أكثر من عدة ليالٍ.

قررنا هذه المرة أن نختبئ في قلب البلدة نفسها، في المكان الذي لا يتوقعه أحد.

وقع اختيارنا على منطقة الهدد، بالقرب من المسجد الكبير والسوق التجاري، حيث محلات مصطفى الحاج إبراهيم، ودكان أبو علمة، وحسني الحميد، في قلب المركز التاريخي لبلدة الزاوية.

هناك كانت تقف “علية” قديمة مهجورة، بلا أبواب ولا نوافذ، تحيط بها البيوت الحجرية المهجورة، ولم يكن يسكنها سوى زوج من الحمام اتخذ أحد طاقاتها مأوى له.

كان الطابق الثاني بلا درج، فقام أحد الإخوة بتأمين سلم خشبي، كما وفر لنا الفراش البسيط اللازم.

في كل مساء كنا نتجول في أزقة البلدة، نتابع أخبارها، ونرصد تحركات الاحتلال، ثم نجلس بعد العشاء فوق “علية جدي” نتناول الطعام ونتبادل الأحاديث.

وعندما ينتصف الليل، كان أبو العبد يخرج من بيت جدته، ويعطينا الإشارة بواسطة مصباح كهربائي صغير.

حينها تبدأ رحلة الصعود.

ننزل من سطح “البد الشرقي”، ثم نصعد إلى “علية نمر المصلح”، ومنها إلى “علية الشيخ قاسم”، ونعبر فوق أسطح البيوت الحجرية المتلاصقة حتى نصل إلى “علية حسين العلي”.

هناك نرفع السلم إلى الداخل، ثم نسحبه خلفنا حتى لا يبقى أي أثر يدل علينا.

وفي الفجر، وقبل أن تستيقظ البلدة، نكون قد غادرنا المكان وكأن أحداً لم يكن هناك.

استمر هذا الروتين أسبوعاً كاملاً.

ثم قررنا تغيير الموقع مرة أخرى. لم نكن نعتمد فقط على المعلومات، بل على الحدس أيضاً، فهو كثيراً ما كان ينقذنا.

هذه المرة ابتعدنا كثيراً عن البلدة.

جهزنا ما يكفينا من المعلبات لعدة أيام، وحمل كل منا “الأبرهول” المخصص للنوم، واتجهنا غرباً نحو منطقة المساطيح في خلة الرميلة.

كانت الساعة تقترب من العاشرة ليلاً عندما وصلنا.

تحت شجرة زيتون، بجانب سنسلة حجرية، كان هناك تجويف صخري صغير يحمينا من المطر والبرد.

ارتدينا أبرهولات النوم، ووضع كل منا “مخدته” تحت رأسه…

والمخدة، بكل بساطة، لم تكن سوى زجاجة ماء… أو حذاء!

ضحكنا كثيراً، ثم فتحنا المذياع لنستمع إلى نشرة الأخبار، قبل أن يغلبنا النعاس.

لكن صديقي لم يستطع النوم.

عند الثانية فجراً أيقظني وهو يهمس بصوت مرتبك:

“اسمع… في صوت!”

كان يشعر بثقل في رأسه وأذنيه، بينما كانت خبطات منتظمة تقترب شيئاً فشيئاً، حتى بدا وكأن الأرض تهتز تحت أقدامنا.

ظننا أن قوات الاحتلال تحاصر المكان.

لم نفكر كثيراً.

تركنا الطعام والفراش وكل ما معنا، وانطلقنا نركض غرباً، من جبل إلى آخر، حتى وصلنا إلى الجبل الأزرق.

ومع أول خيوط النهار، نظرت إلى صديقي، فاكتشفنا سبب الثقل الذي كان يشعر به…

لقد نام فوق بيت للنمل، فقضت الحشرات الليل كله فوق رأسه وأذنيه!

ضحكنا طويلاً بعدما زال الخوف.

بحثنا عن بئر ماء، شربنا منه، وغسلنا وجوهنا، ثم واصلنا السير نحو جبل السحايل، حتى وصلنا منطقة البركة، وأخبرنا الشباب أن الاحتلال حاصر منطقة المساطيح الليلة الماضية.

لكن المفاجأة كانت مختلفة تماماً.

فالصوت الذي أرعبنا طوال الليل لم يكن صوت جنود الاحتلال، بل كان صوت أغنام المرحوم نعيم يوسف، والد الشهيد سامر، بعدما نُسي باب الحظيرة مفتوحاً، فخرجت الأغنام إلى البر، وبدأ أهلها يبحثون عنها ظناً أنها سُرقت.

أرسلنا أحد الشباب ليبلغهم أن أغنامهم موجودة في منطقة المساطيح.

وفي ساعات العصر، عدنا باتجاه الهدد.

وعندما وصلنا بالقرب من دكان الأستاذ جودت الجودة، لاحظنا تجمعاً كبيراً للناس يخرجون من المسجد.

انتظرنا قليلاً حتى تخف الحركة، لكن الحشد ازداد.

أدركنا أن أمراً غير طبيعي قد حدث.

اقتربنا أكثر…

لنكتشف أن علية حسين العلي، التي كانت تؤوينا طوال الأسبوع، قد انهارت بالكامل.

نظرت إلى أبو العبد…

ونظر إليّ…

ابتسمنا دون أن ننطق بكلمة.

ثم قال بهدوء، وهو ينظر إلى الركام:

“إلنا عمر يا أبو شريك.”

عندها فقط أدركنا أن قرار تغيير مكان النوم قبل ليلة واحدة لم يكن مجرد صدفة… بل كان سبباً في نجاتنا.

  • – ملاحظة : المطارد هو المرحوم نذير السلخي ابو جهاد ، الاحداث والمواقع الوارده في النص تقع في اراضي بلدة الزاوية / محافظة سلفيت .
  • – اللوحة لعلية حسين العلي ، بريشة ابتسام الرابي.

شاهد أيضاً

وزير الخارجية الصيني يدعو مجتمع الأعمال السويدي إلى تعميق التعاون مع الصين

وزير الخارجية الصيني يدعو مجتمع الأعمال السويدي إلى تعميق التعاون مع الصين

شفا – (شينخوا) قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي اليوم (السبت) إن عائلة والنبرج ومجتمع …