8:01 مساءً / 2 يوليو، 2026
آخر الاخبار

بعد انعقاد المؤتمر الثامن .. تكريس القيادة الجماعية والمؤسسية ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

بعد انعقاد المؤتمر الثامن .. تكريس القيادة الجماعية والمؤسسية ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

لا تقتصر أهمية المؤتمر الثامن لحركة فتح على انتخاب قيادة جديدة أو تجديد الشرعيات التنظيمية، وإنما تمتد إلى إعادة ترسيخ فلسفة العمل التنظيمي التي قامت عليها الحركة منذ انطلاقتها، وفي مقدمة ذلك مبدأ القيادة الجماعية والمؤسسية باعتباره الضمانة الحقيقية لوحدة القرار، واستقرار التنظيم، واستمرار المشروع الوطني بعيدًا عن الفردية أو الاجتهادات الشخصية.

لقد أثبتت التجارب التنظيمية أن المؤسسات القوية لا تُدار بالأفراد مهما بلغت قدراتهم، وإنما تُدار عبر منظومة متكاملة من اللوائح والاختصاصات وآليات اتخاذ القرار، حيث تصبح المسؤولية جماعية، والنجاح يُنسب للمؤسسة، والمحاسبة تتم وفق الأطر التنظيمية والقانونية.

ومن هنا، فإن المرحلة التي تلي انعقاد المؤتمر الثامن يجب أن تكون مرحلة انتقال حقيقي نحو ترسيخ ثقافة العمل المؤسسي في جميع الأطر التنظيمية، بدءًا من اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وصولًا إلى الأقاليم والمناطق والشعب التنظيمية.

ويُعد تفعيل مبدأ المركزية الديمقراطية أحد أهم مرتكزات هذه المرحلة. فهذا المبدأ، الذي يجمع بين حرية النقاش داخل المؤسسات والالتزام الجماعي بالقرار بعد صدوره، يمثل حجر الأساس في بناء تنظيم قوي ومتماسك. فالديمقراطية الداخلية تتيح لجميع الكوادر التعبير عن آرائهم، بينما تضمن المركزية وحدة الأداء والتنفيذ، بما يحافظ على الانضباط التنظيمي ويمنع تضارب المواقف والقرارات.

كما تبرز الحاجة إلى ضبط الصلاحيات التنظيمية بصورة أكثر وضوحًا، بما يمنع التداخل بين الاختصاصات ويحد من الاجتهادات الفردية. فكل مستوى تنظيمي يجب أن يعرف حدوده ومسؤولياته، وأن يمارس صلاحياته وفق النظام الأساسي واللوائح الداخلية، بما يعزز المساءلة والشفافية ويرفع من كفاءة الأداء التنظيمي.

وفي الأقاليم، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير الأداء الجماعي داخل هيئاتها القيادية، بحيث تصبح القرارات نتاجًا للنقاش والتخطيط المشترك، وليس استجابة لوجهة نظر فرد واحد. فالعمل الجماعي يسهم في توزيع المسؤوليات، ويستثمر خبرات الكوادر المختلفة، ويعزز روح الفريق، ويقلل من الأخطاء الناتجة عن الانفراد بالقرار.

كما أن نجاح الأقاليم يتطلب اعتماد خطط عمل مؤسسية، واجتماعات دورية منتظمة، وآليات واضحة للمتابعة والتقييم، بما يجعل الإنجاز مسؤولية جماعية، ويعزز قدرة الأطر التنظيمية على الاستجابة للتحديات والمتغيرات.

وفي السياق ذاته، يبرز تعزيز دور المجالس الاستشارية باعتباره أحد أدوات تطوير القرار التنظيمي. فهذه المجالس، التي تضم أصحاب الخبرة والكفاءة والتجربة، يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للقيادة، من خلال تقديم الدراسات والرؤى والتوصيات التي تساعد في صناعة القرار بعيدًا عن الارتجال أو ردود الفعل الآنية.

كما يمكن للمجالس الاستشارية أن تؤدي دورًا مهمًا في تقييم الأداء، واستشراف التحديات، واقتراح الحلول، والاستفادة من الخبرات التنظيمية المتراكمة، بما يسهم في الحفاظ على الذاكرة التنظيمية ونقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة من الكوادر.

إن تكريس القيادة الجماعية لا يعني إضعاف المسؤولية الفردية، بل يعني أن كل قائد يعمل ضمن مؤسسة، وكل قرار يصدر عبر إطار تنظيمي، وكل مسؤول يخضع للمساءلة وفق الأنظمة المعتمدة. وهذا هو جوهر العمل المؤسسي الذي يحقق الاستقرار والاستمرارية ويمنع تضارب الصلاحيات.

وبعد المؤتمر الثامن، تمتلك حركة فتح فرصة حقيقية لإعادة بناء نموذج تنظيمي أكثر حداثة وكفاءة، يقوم على الشراكة في اتخاذ القرار، واحترام المؤسسات، وتوزيع المسؤوليات، وتعزيز الرقابة الداخلية، بما يرسخ ثقة الكادر بقيادته ويزيد من قدرة الحركة على مواجهة الاستحقاقات الوطنية والتنظيمية.

فالقيادة الجماعية ليست مجرد شعار تنظيمي، وإنما ثقافة عمل ومنهج إدارة، وهي الطريق الأقصر لبناء مؤسسة فتحاوية قوية، قادرة على التجدد، واستثمار طاقات أبنائها، وصناعة القرار الوطني بكفاءة ومسؤولية، بما ينسجم مع تاريخ حركة فتح ودورها الريادي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.

شاهد أيضاً

اتحاد نضال العمال الفلسطيني

اتحاد نضال العمال الفلسطيني: الاحتلال يحوّل لقمة العيش إلى ساحة حرب .. ويدعو إلى تحرك نقابي ودولي عاجل

شفا – أكد اتحاد نضال العمال الفلسطيني أن مرور ألف يوم على العدوان المتواصل على …