12:22 مساءً / 23 يونيو، 2026
آخر الاخبار

لا تُجرِّبوا في أحلام أبنائنا: الثانوية العامة ليست حقل تجارب ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

لا تُجرِّبوا في أحلام أبنائنا: الثانوية العامة ليست حقل تجارب

لا تُجرِّبوا في أحلام أبنائنا: الثانوية العامة ليست حقل تجارب ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

في وطنٍ ينهض كل صباح على وقع التحديات، ويكتب أبناؤه أحلامهم على دفاتر الصبر والأمل، يقف أكثر من ثمانين ألف طالب وطالبة فلسطينية على أعتاب واحدة من أهم المحطات في حياتهم التعليمية؛ امتحان الثانوية العامة، ذلك الامتحان الذي لا يمثل مجرد أوراق وأسئلة ودرجات، بل يختصر سنوات طويلة من السهر والتعب والاجتهاد، ويحمل بين سطوره أحلام أسر كاملة انتظرت هذه اللحظة بشغف وقلق وترقب.

وفي خضم هذا المشهد الإنساني والتربوي، يبرز الحديث عن التحول الرقمي في امتحانات الثانوية العامة، بوصفه خطوة نحو المستقبل ومواكبة للتطور العالمي. ونحن، بلا تردد، مع التطور والتحديث والاستفادة من التكنولوجيا، لأن الأمم لا تتقدم إلا بالعلم والمعرفة والتجديد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل كل تطوير يُعدّ ناجحاً بمجرد الإعلان عنه؟ وهل يكفي أن تكون الفكرة صحيحة حتى يكون توقيت تنفيذها صحيحاً أيضاً؟

إن التحول الرقمي ليس جهازاً جديداً يوضع على الطاولة، ولا شاشة تحل محل الورقة، ولا منصة إلكترونية تُطلق قبل موعد الامتحان. التحول الرقمي الحقيقي هو مشروع وطني متكامل يبدأ بالتخطيط وينتهي ببناء الثقة، ويمر عبر مراحل طويلة من الإعداد والتجريب والتقييم والتطوير. إنه ثقافة وممارسة ومنظومة متكاملة، لا قراراً مفاجئاً يُلقى على كاهل الطلبة في أكثر مراحلهم حساسية.

لقد جاء الحديث عن تطبيق الامتحانات الإلكترونية بالنسبة لكثير من الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين بصورة مفاجئة، وفي توقيت يفتقر إلى التهيئة النفسية والتقنية الكافية. والمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في عنصر المفاجأة الذي يزرع القلق في نفوس الطلبة، ويحوّل الامتحان من اختبار للمعرفة إلى اختبار للأعصاب والخوف من المجهول.

وفي فلسطين تحديداً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فطلبتنا لا يعيشون ظروفاً طبيعية يمكن مقارنتها بدول تنعم بالاستقرار الكامل. إنهم أبناء واقع استثنائي، يدرسون أحياناً تحت ضغوط نفسية هائلة، ويواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متراكمة، ويعيشون آثار العدوان والحواجز والإغلاقات والانقطاعات المتكررة التي ألقت بظلالها على العملية التعليمية برمتها. ولذلك فإن أي قرار تربوي يتعلق بمستقبلهم يجب أن يُدرس بعناية مضاعفة، وأن يُبنى على فهم عميق لواقعهم الحقيقي لا على افتراضات نظرية.

إن امتحان الثانوية العامة ليس ساحة مناسبة للتجريب. فالتجريب التربوي الرشيد يبدأ بعينات محدودة، وفي بيئات مراقبة، وعلى مراحل زمنية متدرجة، بحيث يتم اكتشاف نقاط القوة والضعف ومعالجة المشكلات قبل تعميم التجربة. أما أن تكون الامتحانات المصيرية نفسها ميداناً لاختبار الأنظمة الجديدة، فذلك يضع الطلبة أمام مخاطر لا علاقة لها بمستواهم الأكاديمي أو قدراتهم العلمية.

ومن أهم القضايا التي يجب التوقف عندها قضية الفروق الفردية بين الطلبة. فليس جميع الطلبة يمتلكون المهارات الرقمية ذاتها، وليسوا جميعاً يعيشون الظروف الاجتماعية والاقتصادية نفسها. هناك طلبة يمتلكون خبرة واسعة في التعامل مع التكنولوجيا، وآخرون ما زالوا يواجهون صعوبات تقنية لأسباب مختلفة. وهناك من يعيش في بيئة مستقرة نسبيًا، وآخرون يدرسون في ظروف بالغة القسوة والتعقيد. لذلك فإن العدالة التربوية تقتضي أن تُصمم الامتحانات بطريقة تراعي هذه الفروق الفردية، وأن تُمنح جميع الفئات فرصاً متكافئة لإثبات قدراتها الحقيقية بعيداً عن أي عوامل تقنية أو ظرفية قد تؤثر في أدائهم.

كما أن إعداد أسئلة الامتحانات يجب أن ينطلق من فهم عميق للواقع النفسي والتعليمي الذي يعيشه الطلبة. فالامتحان الجيد ليس الامتحان الأصعب، بل الامتحان العادل الذي يقيس المعرفة والمهارات بصورة دقيقة ومتوازنة، ويراعي مستويات الطلبة المختلفة، ويمنح المجتهد فرصة حقيقية لإظهار قدراته دون أن يتحول إلى مصدر إضافي للضغط والإرباك.

إننا لا نقف ضد التحول الرقمي، بل نقف مع التحول الرقمي المدروس والمسؤول. نقف مع التكنولوجيا حين تكون وسيلة لدعم الطالب، لا سببًا في زيادة قلقه. ونقف مع التطوير حين يسبقه التخطيط والتدريب والتوعية والتجريب الكافي، لا حين يأتي على شكل قرارات مفاجئة تمس مستقبل عشرات الآلاف من الطلبة.

إن أبناء فلسطين يستحقون نظاماً تعليمياً حديثاً ومتطوراً، لكنهم يستحقون أيضًا الطمأنينة والاستقرار والثقة. يستحقون أن يشعروا بأن المؤسسات التعليمية تقف إلى جانبهم، لا أن تضيف إلى أعبائهم أعباءً جديدة. ويستحق أولياء أمورهم أن يطمئنوا إلى أن مستقبل أبنائهم يُدار بعقلية التخطيط لا بمنطق الارتجال.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى قرارات تربوية تنبع من الحوار والتشاور والشراكة مع المعلمين والخبراء وأولياء الأمور والطلبة أنفسهم. بحاجة إلى رؤية وطنية متكاملة تجعل من التطوير مساراً آمناً ومتدرجاً، لا قفزة مجهولة النتائج.

فالثانوية العامة ليست مجرد امتحان، بل قصة وطن يكتبها أبناؤه بالحبر والصبر والأمل. وحين يتعلق الأمر بأحلام أكثر من ثمانين ألف طالب وطالبة، فإن الحكمة تقتضي أن يكون كل قرار محسوباً بدقة، لأن الأوطان التي تحترم مستقبل أبنائها لا تُجري التجارب في أحلامهم.

رسالتنا واضحة:


لسنا ضد التحول الرقمي، بل مع التحول الرقمي المدروس. لكن في فلسطين، حيث يعيش الطلبة ظروفاً استثنائية وضغوطاً متراكمة، فإن الحكمة تقتضي أن يسبق التنفيذَ تخطيطٌ وتجريبٌ وتوعيةٌ كافية، وأن تُراعى الفروق الفردية والظروف الصعبة التي يعيشها الطلبة، لأن مستقبل أبنائنا لا يحتمل المجازفة، وأحلامهم أكبر من أن تُترك رهينة لأي خطأ أو ارتجال.

شاهد أيضاً

وزير الخارجية الصيني يلتقي الأمين العام لمجلس الأمن القومي المصري

وزير الخارجية الصيني يلتقي الأمين العام لمجلس الأمن القومي المصري

شفا – (شينخوا) التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي، يوم الاثنين، بالأمين العام لمجلس الأمن …