
أقداركم تُؤخذ من أفواهكم ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
ليست الكلمات حروفاً تُقال ثم تتلاشى في الهواء، وليست أصواتاً عابرة تذروها الرياح ثم تمضي بلا أثر، بل هي بذور تُلقى في تربة الحياة، فما نزرعه بألسنتنا نجنيه في أيامنا، وما نردده في داخلنا يصبح مع الزمن جزءاً من واقعنا. لذلك قيل قديماً : “أقداركم تؤخذ من أفواهكم”، وهي عبارة تختصر حكمة عظيمة وتجربة إنسانية عميقة أثبتتها الأيام قبل أن تتحدث عنها الكتب والدراسات.
كم من إنسان ظل يردد أنه ضعيف حتى أصبح أسيراً لضعفه، وكم من شخص أقنع نفسه أنه لن ينجح فصار الفشل رفيقه في كل محطة، وكم من روح جميلة كانت تملك القدرة على التحليق لكنها قصّت أجنحتها بكلمات اليأس التي كررتها على نفسها حتى صدقتها. فالكلمة ليست مجرد وصف للواقع، بل كثيراً ما تكون صناعة له، ورسماً لملامحه، وتحديداً لاتجاهاته.
إن الإنسان يعيش مرتين؛ مرة في عقله ومرة في حياته. وما يتكرر في العقل كثيراً يجد طريقه إلى الواقع شيئاً فشيئاً. فعندما يستيقظ المرء كل صباح وهو يقول: “لا شيء سيتغير”، فإنه يغلق أبواب التغيير بيديه قبل أن تُفتح. وعندما يردد: “ليس لدي حظ”، فإنه يدرّب عقله على تجاهل الفرص التي تمر بجواره، فيراها الآخرون بينما يعجز هو عن رؤيتها. أما حين يقول: “سأحاول”، “سأنجح”، “سيأتي الفرج”، فإنه يهيئ نفسه نفسياً وذهنياً لاستقبال الإمكانات الجديدة والسير نحوها بثقة وإصرار.
لقد أدرك الناجحون عبر التاريخ أن اللغة التي يخاطبون بها أنفسهم ليست أمراً هامشياً، بل هي جزء من معركة البناء الداخلي. فالعقل يشبه الأرض الخصبة؛ لا يميز كثيراً بين البذور التي تُزرع فيه، سواء كانت بذور أمل أو بذور خوف. فإذا زرعت فيه الشكوك أنبت قلقاً وتردداً، وإذا غرست فيه الثقة أثمر شجاعة وإقداماً. ولهذا نجد أن أصحاب الإنجازات الكبيرة لم يكونوا محصنين ضد الخوف أو الفشل، لكنهم كانوا محصنين ضد الاستسلام للكلمات السلبية التي تهدم العزيمة وتطفئ جذوة الإرادة.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور جو ديسبنزا في كتاباته إلى أن العقل يتفاعل مع الصور والأفكار المتكررة بطريقة تجعله يتعامل معها كما لو كانت جزءاً من الواقع. فكل فكرة تتكرر، وكل صورة ذهنية تُستحضر باستمرار، تترك أثراً في طريقة التفكير والشعور والسلوك. ولذلك فإن الإنسان الذي يملأ داخله بصور النجاح والأمل والتحسن، يهيئ نفسه نفسياً للسير في هذا الاتجاه، بينما الذي يغرق في تصورات الفشل والعجز يصنع حول نفسه جدراناً غير مرئية تعيق حركته وتحد من إمكاناته.
ولعل أجمل ما في التفاؤل أنه ليس إنكاراً للوجع، ولا هروباً من الواقع، ولا تجاهلاً للصعوبات، بل هو إيمان بأن خلف العتمة نوراً ينتظر، وأن بعد الضيق سعة، وبعد العسر يسراً. المتفائل لا ينكر وجود العواصف، لكنه يؤمن بقدرته على الإبحار رغم الأمواج. ولا يدّعي أن الطريق مفروش بالورود، لكنه يوقن أن الأشواك لا تدوم إلى الأبد.
إن الكلمات التي نرددها لأنفسنا تشبه الرسائل التي نبعثها إلى المستقبل. فكل عبارة أمل هي نافذة نفتحها للنور، وكل كلمة يأس هي ستارة نسدلها على الضوء. لذلك ينبغي أن ننتبه لما نقوله لأنفسنا في لحظات التعب والانكسار قبل لحظات القوة والانتصار. ففي ساعات الضعف تحديداً تُصنع التحولات الكبرى، وهناك تتجلى أهمية الكلمة التي ترفعنا أو تهوي بنا.
كم هو جميل أن نقول لأنفسنا: “سأتجاوز”، “سأتعلم”، “سيعوضني الله خيراً”، “ما زالت الحياة تحمل الكثير”. هذه الكلمات ليست أوهاماً كما يظن البعض، بل هي وقود روحي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار. فالروح التي تتغذى على الأمل أقوى من أن تهزمها العثرات، والقلب الذي يسكنه الرجاء أبعد من أن تكسره الخيبات.
وقد علمتنا الحياة أن الأقدار الجميلة تبدأ أحيانًا بكلمة جميلة، وأن الفرص العظيمة تولد من فكرة إيجابية، وأن النجاحات الكبيرة كانت في بدايتها مجرد جملة آمن بها صاحبها عندما شك فيها الجميع. لذلك لا تستهينوا بما تقولونه لأنفسكم، ولا تسمحوا لليأس أن يتسلل إلى قاموسكم، ولا تجعلوا من الإحباط لغة يومية ترددونها دون وعي.
قولوا خيراً، ليس لأن الطريق دائماً سهل، بل لأن الأمل يصنع القدرة على السير فيه. قولوا خيرًا، ليس لأن الغد مضمون، بل لأن التفاؤل يمنح الإنسان القوة ليصنع غده. قولوا خيرًا حتى في ذروة التعب، وحتى في قلب العاصفة، وحتى عندما تبدو الأحلام بعيدة كنجوم السماء. فرب كلمة أشرقت في القلب فأنارت العمر كله، ورب عبارة رجاء كانت بداية حكاية نجاح لم يتوقعها أحد.
إن الأقدار بيد الله وحده، وهو سبحانه المدبر الحكيم، لكن الإنسان مأمور بحسن الظن، ومطالب بأن يملأ قلبه أملاً ولسانه خيرًا وروحه يقيناً. فاجعلوا كلماتكم جسوراً نحو المستقبل لا جدرانًا تعيق الوصول إليه، وازرعوا في دروبكم عبارات التفاؤل كما يزرع الفلاح البذور في موسم الخير، مؤمناً أن ما يزرعه اليوم سيصبح غداً سنابل تملأ الحقول حياةً وعطاءً وجمالاً.
فما أجمل أن يكون لسانك موطناً للأمل، وقلبك مسكناً لليقين، وروحك نافذة مفتوحة على رحمة الله الواسعة. عندها فقط ستدرك أن بعض الأقدار تبدأ فعلاً .. من كلمة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.