10:19 صباحًا / 20 مايو، 2026
آخر الاخبار

حين يتكلم الصندوق بصوتٍ مختلف: من “الصندوق بندوق” إلى إعادة قراءة النفس الانتخابية الفلسطينية ، بقلم : د. عماد سالم

حين يتكلم الصندوق بصوتٍ مختلف: من “الصندوق بندوق” إلى إعادة قراءة النفس الانتخابية الفلسطينية ، بقلم : د. عماد سالم

في كل انتخابات، هناك مشهدان متوازيان لا يلتقيان إلا عند لحظة الفرز.

المشهد الأول صاخب ومعلن؛ صور، وشعارات، وتحالفات، وبيانات تأييد، وأحاديث لا تنتهي في البيوت والشوارع والمقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يبدو كل شيء محسوماً مسبقاً، وتبدو الحسابات السياسية والتنظيمية والعائلية وكأنها تحدد النتائج قبل فتح الصناديق.

أما المشهد الثاني، فهو صامت تماماً؛ ناخب يقف وحيداً داخل المعزل، بعيداً عن العائلة والتنظيم والضغوط والمجاملات، ليقرر في ثوانٍ ما قد يناقض كل ما قاله سابقاً.

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى التي تجعل الانتخابات دائماً أكثر تعقيداً من كل الحسابات الجاهزة. فالكثير مما يُقال قبل الاقتراع لا يترجم بالضرورة داخل الصندوق، وكثير من النتائج التي تبدو مستحيلة تتحول فجأة إلى واقع لحظة الفرز.

في هذا السياق، تبرز عبارة لافتة قالها د. نبيل الكوكالي: “الصندوق بندوق”، وهي عبارة بسيطة لكنها مكثفة الدلالة، تختصر تجربة كاملة من المفاجأة الانتخابية، حيث لا تعكس الصناديق ما قيل في العلن، بل ما استقر في لحظة القرار الفردي الأخيرة داخل المعزل. أو كما يقال في التعبير الشعبي: حساب القرايا ليس كحساب السرايا.

بين هذا المعنى، وما نراه في الواقع الفلسطيني، تتشكل فكرة مركزية: أن الصندوق لا يكشف فقط نتيجة انتخابية، بل يكشف الفجوة بين المعلن والمخفي، بين الجماعة والفرد، وبين الانتماء والقرار الحر.

في المجتمع الفلسطيني، لا تُختزل الانتخابات في بعدها الديمقراطي فقط، بل تتداخل فيها البنية الاجتماعية والعائلية والتنظيمية والنفسية بشكل معقد. فالناخب لا يعيش داخل فراغ سياسي، بل داخل شبكة كثيفة من العلاقات والانتماءات والاعتبارات التي تجعل القرار الانتخابي أكثر تركيبًا من مجرد اختيار قائمة أو مرشح.

في العلن، قد يعلن الفرد دعمه لقائمة معينة انسجاماً مع العائلة أو التنظيم أو البيئة المحيطة أو تجنباً للإحراج الاجتماعي، لكنه داخل المعزل يتحول إلى فرد حر يمتلك قراره الكامل. وهنا تتجلى الحقيقة التي كثيراً ما تربك الجميع:

الصندوق لا يسمع الضجيج… بل يسمع القناعة الأخيرة.

ولذلك، كثيراً ما تفشل التوقعات الانتخابية، لأن جزءاً كبيراً من المزاج الحقيقي يبقى مختبئاً خلف ما يمكن تسميته بـ”الصمت الانتخابي الاجتماعي”، حيث يقول الناس شيئاً ويفكرون بشيء آخر، ليس نفاقاً بالضرورة، بل محاولة للتوازن بين الانتماء الاجتماعي والقرار الفردي.

وهذا ما يلتقي مباشرة مع فكرة “الصندوق بندوق”، حيث لا تكون المفارقة مجرد استثناء، بل قاعدة سلوكية متكررة في البيئات التي تتداخل فيها العلاقات الاجتماعية والسياسية والتنظيمية.

هذه الظاهرة ليست فلسطينية فقط، لكنها في الحالة الفلسطينية تأخذ أبعاداً أكثر حساسية وتعقيداً، خصوصاً في انتخابات الهيئات المحلية أو البيئات ذات الامتداد العائلي والتنظيمي القوي، ثم في الانتخابات التنظيمية الكبرى مثل انتخابات المؤتمر الثامن لـ حركة فتح.

ففي الانتخابات المحلية، ظهر بوضوح أن الحسابات التقليدية لا تكفي لتفسير النتائج، وأن الحضور الاجتماعي أو التنظيمي لا يضمن بالضرورة الفوز. وفي انتخابات المؤتمر الثامن، ظهر المستوى نفسه من التعقيد داخل البنية التنظيمية نفسها، حيث لم تعد الاصطفافات المعلنة كافية لتفسير ما جرى داخل الصندوق.

وفي الحالتين، يبرز “الناخب الصامت” أو “العضو الصامت”، الذي لا يعلن قراره الحقيقي مسبقاً، لكنه يحسمه داخل المعزل أو لحظة الاقتراع، بعيداً عن كل الضغوط والتوقعات.

ومن الناحية النفسية، فإن الإنسان بطبيعته يسعى إلى تجنب التوتر الاجتماعي، لذلك يميل أحياناً إلى إعلان مواقف آمنة تحافظ على انسجامه مع محيطه، بينما يحتفظ بخياره الحقيقي لنفسه حتى اللحظة الأخيرة. ولهذا السبب، فإن أكثر القرارات صدقاً لا تُقال دائماً…… بل تُكتب داخل ورقة الاقتراع.

كما أن النظام الانتخابي نفسه يساهم في إنتاج هذا التعقيد؛ ففي نظام القوائم أو التمثيل النسبي، لا يصوت الناخب لشخص واحد فقط، بل لمنظومة كاملة، ما يخلق فجوة بين القناعة الكاملة والاختيار الجزئي، ويدفع البعض إلى إعادة تشكيل قرارهم داخل الصندوق نفسه.

وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، لا يمكن فصل السلوك الانتخابي عن السياق السياسي العام، ولا عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ولا عن المزاج العام الذي يتأرجح بين الإحباط والرغبة في التغيير، أو بين الاستمرارية وإعادة التوازن.
وهنا تتقاطع ثلاث طبقات تفسيرية مهمة:

  • ما تقوله السياسة في العلن.
  • ما تقوله التنظيمات في خطابها.
  • وما يقوله الناخب داخل الصندوق بصمت كامل.

وهذا الأخير هو الأكثر صدقاً، لكنه الأقل قابلية للتنبؤ.

ولعل أخطر ما في الانتخابات ليس المفاجأة في النتائج، بل المفاجأة في سوء القراءة. فحين تعجز القوى السياسية والتنظيمية، عن التقاط التحولات الصامتة داخل المجتمع، تتحول النتائج إلى صدمة بدل أن تكون قراءة مسبقة للاتجاه العام.

وفي النهاية، لا تبدو الديمقراطية مجرد عملية اقتراع، بل لحظة مواجهة بين الإنسان وكل ما يحيط به: العائلة، التنظيم، المجتمع، والتاريخ، قبل أن يختار نفسه في النهاية.

وهكذا، بين “المشهد الصاخب” و“المشهد الصامت”، وبين ما يُقال وما يُفعل، وبين “الصندوق بندوق” و“الصندوق يقول الحقيقة”، تتشكل النتيجة النهائية.

وفي النهاية، تبقى صناديق الاقتراع أكثر صدقاً من كل التحليلات المسبقة، لأنها المكان الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من الجميع، ليواجه قناعته وحده…

وهناك فقط، يتكلم الصندوق بصوت مختلف.

  • – د. عماد سالم – كاتب وباحث في قضايا التعليم والتنمية والسياسات العامة

شاهد أيضاً

مناظر سياحية أخاذة في الصين مع حلول يوم السياحة الصيني الـ16

مناظر سياحية أخاذة في الصين مع حلول يوم السياحة الصيني الـ16

شفا – بكين 20 مايو 2026 (شينخوا) في الصورة الملتقطة جوا يوم 19 مايو 2026، …