
التربية والتعليم في مواجهة الهيمنة الإعلامية: قراءة في عصر ما بعد الحقيقة ، بقلم : د. نائلة (نهيلة) جريس حداد
لم تعد العلاقة بين التربية والتعليم والإعلام علاقة محايدة، بل أصبحت علاقة تأثير متبادل في تشكيل الوعي والمعرفة. فبينما تقوم المدرسة على تنظيم المعرفة بشكل تدريجي ومنهجي، يقدم الإعلام الرقمي تدفقًا سريعًا وكبيرًا من المعلومات، تختلط فيه الحقائق بالآراء والدعاية والترفيه.
ولا يرتبط هذا التحول فقط بالتطور التكنولوجي، بل أيضًا بطريقة فهم المعرفة نفسها. فالمعلومة لم تعد تصل بشكل منظم ومتسلسل كما في السابق، بل أصبحت تأتي من مصادر متعددة وبشكل سريع، مما يجعل التمييز بين الصحيح والخاطئ أكثر صعوبة.
مثال على ذلك: قد يرى شخص منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي يقول إن “طريقة معينة تضمن النجاح في الدراسة دون تعب”، فيشاركه أو يصدقه فقط لأنه منتشر أو مكتوب بطريقة جذابة، رغم أنه غير دقيق أو مبالغ فيه.
في هذا الواقع، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح يؤثر في طريقة تفكير الناس وتشكيل آرائهم. فهو يحدد ما يُعرض وكيف يُعرض، ويكرر بعض الرسائل حتى تبدو مقنعة وطبيعية. على سبيل المثال، قد ينتشر مقطع فيديو أو خبر بشكل واسع خلال ساعات، فيتفاعل معه الناس بسرعة دون التحقق من مصدره أو صحته، فقط لأنه “ترند” أو متداول بكثرة.
وفي عصر ما بعد الحقيقة، لا تكمن المشكلة في قلة المعلومات، بل في طريقة التعامل معها. فالمعلومة لم تعد تُقاس فقط بدقتها، بل أحيانًا بمدى انتشارها وتأثيرها العاطفي. وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام التعليم، لأن الطالب لا يتعلم داخل الصف فقط، بل يعيش في عالم مفتوح مليء بالمعلومات المتنوعة والمتضاربة.
مثال على ذلك: قد يقرأ طالب إعلانًا يقول إن “منتجًا معينًا يعالج جميع المشاكل الصحية”، فيصدقه أو يتأثر به لأنه مكتوب بلغة قوية ومقنعة، دون أن يبحث عن مصدر علمي أو دليل.
لذلك لم يعد دور التعليم يقتصر على نقل المعرفة، بل أصبح من الضروري أن يتعلم الطالب كيف يتحقق من المعلومات، وكيف يميز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، وكيف يفهم طريقة تقديم الإعلام للمحتوى.
هذا يعني أن التعليم في عصرنا لم يعد يواجه نقصًا في المعلومات، بل يواجه كثرة كبيرة منها، تحتاج إلى تفكير نقدي وتنظيم.
ومن هنا تأتي أهمية التعليم النقدي، الذي يساعد الطالب على طرح أسئلة بسيطة ولكن مهمة مثل: من أين جاءت هذه المعلومة؟ هل هي دقيقة؟ وهل هناك مصادر أخرى مختلفة؟
كما أن الاعتقاد بأن استخدام التكنولوجيا وحده يعني وعيًا رقميًا هو اعتقاد غير دقيق، لأن المهارة الحقيقية ليست في الاستخدام، بل في القدرة على الفهم والتمييز. وإعادة نشر خبر عاجل دون التحقق منه فقط لأنه صادر عن حساب مشهور، رغم أنه قد يكون غير صحيح.
لذلك، أصبحت التربية الإعلامية جزءًا مهمًا من العملية التعليمية، لأنها تساعد على بناء وعي أكثر قدرة على التفكير والتحليل.
وفي النهاية، لم يعد الهدف من التعليم مجرد حفظ المعلومات، بل تكوين عقل قادر على التفكير والفهم والمساءلة. وفي عصر ما بعد الحقيقة، تصبح القدرة على التفكير النقدي أهم من امتلاك المعلومة نفسها.
- – د. نائلة (نهيلة) جريس حداد
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.