
“العالول… سيرةُ وطنٍ وقائدٌ يلتف حوله الأوفياء” ، بقلم : د. منى ابو حمدية
من نابلس، حيث الحكايات تُكتب على ملامح الناس لا على الورق، خرج محمود العالول محمولاً بروح المكان؛ عنيداً كحجارتها، وهادئاً كيقينها، ومشبعاً برائحة فتح التي لا تفارقه أينما مضى. لم يكن طريقه صدفة، بل امتدادا طبيعيا لانتماءٍ تشكّل مبكراً، وكبر معه حتى صار جزءاً من ملامحه.
درس الجغرافيا، لكنه لم يكتفِ بحدود المعرفة النظرية؛ قرأ الأرض كما يجب أن تُقرأ في فلسطين: دروباً للمقاومة، وحدوداً يجب كسرها، ومساحاتٍ تُستعاد بالفعل. استخدم علمه طريقاً لاجتياز المسافات نحو الوطن، من الأردن إلى الداخل المحتل، حيث كانت الفكرة تسبق الخطوة، والإرادة تفتح الطريق.
اعتُقل في البدايات، ودفع ثمن الانتماء في سنواتٍ من السجن، ثم أُبعد، لكن الإبعاد لم يُقصِه عن فلسطين، بل قرّبه أكثر من معناها. في الأردن، التحق بصفوف الثورة علناً، إلى جانب الشهيد القائد خليل الوزير “أبو جهاد”، وهناك بدأت ملامح القائد تتشكّل في الميدان، لا في العناوين.
في بيروت، كان بين أولئك الذين لا يكتفون بالحضور، بل يصنعون الفعل. عضوا في المجلس العسكري للثورة، وقائداً في الميدان خلال الاجتياح، يتقدّم الفدائيين بثباتٍ لا يعرف التراجع. وحين جاءت لحظة الانتصار للأسرى، كان جزءاً من عقلٍ وطني حوّل الألم إلى حرية، فأُعيد الآلاف إلى بيوتهم، وعاد معهم معنى الكرامة.
داخل حركة فتح، لم يكن بعيداً عن القاعدة، بل أقرب ما يكون إليها. يعرفه الناس بوجهه قبل اسمه، ويطرقون بابه وهم على يقين أنه لن يُغلق. لم يُشيّد بينه وبينهم حواجز، ولم يتخفَّ خلف موقع؛ ظلّ كما هو، ابن الحركة الذي يجلس بينهم، يسمعهم ويشاركهم، فيبادلونه احتراماً بمحبة، ومحبةً بثقةٍ لا تتبدد.
تسلّم مسؤوليات متعددة، من العمل في مؤسسات منظمة التحرير إلى مواقع رسمية في الوطن، محافظاً لنابلس ثم وزيرا للعمل، لكن الموقع لم يغيّره، بل أضاف إلى حضوره مسؤوليةً أعمق. ومع تقدّم مسيرته، كان طبيعيا أن يصل إلى اللجنة المركزية لحركة فتح، ثم إلى موقع نائب رئيسها، تأكيداً على مكانةٍ صنعتها التجربة، وثبّتها الوفاء.
لم يتجمّد عند شكلٍ واحد من النضال؛ انتقل برؤيةٍ واعية نحو ترسيخ المقاومة الشعبية، مؤمناً أن صوت الناس حين يرتفع، يصبح قوةً لا تقل تأثيراً عن أي شكلٍ آخر من أشكال المواجهة. بقي ثابتاً في مواقفه، واضحاً في انحيازه، لا يساوم على الحق ولا يبتعد عن الميدان.
العالول حالةٌ فتحاوية خالصة؛ يحمل روح الحركة كما يحمل اسمه، وتلازمه كما تلازمه ذاكرة البدايات. لذلك يلتف حوله الأوفياء، لا بدافع الموقع، بل لأنهم يجدون فيه ما يشبههم: الصدق، والثبات، والقرب، ورجلاً لا يُغلق بابه في وجه سائل، ولا يُغلق قلبه في وجه وطن.
- – د. منى ابو حمدية – أكاديمية و باحثة
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.