10:31 مساءً / 27 أبريل، 2026
آخر الاخبار

أكياس “الطحين” الفارغة تُرمم أرواحَ نساء غزة ، بقلم : النقابية والصحفية اعتماد أبو جلالة

أكياس “الطحين” الفارغة تُرمم أرواحَ نساء غزة ، بقلم : النقابية والصحفية اعتماد أبو جلالة


بين جدران وحدة تشغيل النساء التابعة لملتقى النجد التنموي ، تلك المساحة الامنة التي تعمل ضمن برنامج “المال مقابل العمل واستعادة سبل العيش المتكامل في غزة ” ، لا تفوح رائحة القماش الجديد بل تفوح رائحة ” الطحين” الذي سدّ رمق المدينة خلال المجاعة التي عانت منها غزة ، وينتشر اللون الأبيض في كل زاوية ، هنا يتحول كيس الطحين الفارغ إلى حكاية تعافٍ لمائة وعشرين سيدة .


في مشغل الخياطة تجتمع النساء، هنا لا تُرمى أكياس الدقيق الفارغة باعتبارها مخلفات، بل يُعاد غزلها لتصبح شريان حياة جديد ، بأنامل أثقلتها الحرب وأحياها العمل، تُحوّل هؤلاء السيدات أكياس الدقيق إلى حقائب متينة، تُستخدم لتوزيع المساعدات والمكملات الغذائية للأطفال في ظل شحّ البدائل، ولا يتوقف الإبداع عند هذا الحد ، بل تمتد الخيوط لتصنع “شوادر” محكمة تقف سدًا منيعًا أمام لهيب شمس الصيف التي تلسع جلود النازحين، وتمنع زخات المطر من غزو الخيام في الشتاء.


هذه الأكياس التي كانت يوماً وعاءً للخبز، باتت اليوم “أسواراً” من الخصوصية، تحيط بالخيام لتمنح النساء مساحة للحركة بحرية وكرامة، وتثبت أن في غزة أرواحاً لا تموت، بل تعيد تدوير الألم ليصبح ستراً وأماناً.


التعافي عبر العمل


توضح السيدة رفقة الحملاوي، رئيسة مجلس إدارة “ملتقى النجد التنموي”، أن فكرة مشغل الخياطة لم تكن مجرد مشروع عابر، بل ولدت من قلب المعاناة والحاجة الماسة التي فرضتها الحرب ، انطلقت الوحدة في نوفمبر 2024 كاستجابة إنسانية بالتعاون مع مجتمعات عالمية GC ليكون بمثابة “طوق نجاة” للسيدات اللواتي يواجهن ظروفاً قاسية.
وتشير الحملاوي إلى أن الهدف الأسمى للمشغل هو “التعافي عبر العمل” ، فالمشروع يستهدف الفئات الأكثر هشاشة من زوجات الشهداء، والجريحات، والمطلقات اللواتي وجدن أنفسهن معيلات وحيدات لأسرهن ، وتضيف اليوم، يضم المشغل 120 عاملة يتوزعن على فرعين في قلب مدينة غزة (حي النصر وحي الصحابة)، حيث تعمل كل سيدة لمدة ثلاثة أشهر، في دورة تشغيلية تهدف لفتح الباب أمام أكبر عدد ممكن من النساء للاستفادة من هذه الفرصة.


من صدمات الفقد والعزلة الى مساحة للتداوي

تحدثت الأستاذة فاتن أبو شرخ، المشرفة على المشروع ، عن الأثر العميق الذي تركه المشغل في حياة النساء ، حيث انتقلن من وطأة الانكسار النفسي وفقدان المعيل نتيجة الحرب، إلى فئة ” النساء المعيلات ” القادرات على مواجهة التحديات المعيشية الصعبة في قطاع غزة.


وأوضحت أبو شرخ أن بيئة العمل تم تجهيزها بماكينات خياطة حديثة ومعايير صحة وسلامة مهنية ، لتمتد ساعات العطاء من الثامنة صباحاً وحتى الثانية ظهراً ، واستذكرت البدايات القاسية للمستفيدات، حيث كان الذهن شتاتاً بين صدمات الفقد والعزلة ، فمنهن من كانت تغرق في دموعها بصمت، ومنهن من كانت تمسك بأدواتها بشرود تام.
ووصفت أبو شرخ المشهد الأوليّ للعاملات قائلة ” جاءت النساء وهنّ في ذروة انكسارهن؛ رأيت بعيني سيدة تواري حزنها بالبكاء تحت أكوام من أكياس الدقيق الفارغة، وأخرى تمسك مقصها بذهن شارد في غياهب الفقد، وثالثة اختارت الصمت ملاذاً”


ومع مرور الأيام، تحول المشغل من مجرد مكان للعمل إلى مساحة للتداوي ، بدأت النساء بالتفريغ النفسي ومشاركة الأوجاع، لينسجن من حكاياهن المشتركة شبكة دعم اجتماعي قوية مهدت طريق التعافي ، وأضافت فاتن بمرارة: “إن أصعب اللحظات التي أواجهها هي إبلاغ إحداهن بانتهاء مدة عملها؛ فالمشغل بالنسبة لهن لم يكن مجرد فرصة عمل، بل كان طوق نجاة، وملاذاً آمناً رمّم انكساراتهن المعنوية والمادية .


قصص نجاح


حين التقيت بالعاملات شعرت حقيقة بأن العمل يداوي ما أفسدته الحرب ، وما لاحظته ان خلف كل ماكينة خياطة قصة امرأة مكلومة ، منهن من فقدت بيتها، ومنهن من عانت مرارة التعنيف تحت ضغوط النزوح الخانق ، لم يكن العمل مجرد وسيلة لتدبير القوت فحسب ، بل كان شفاء للروح ، كان هناك شعورٌ بالانتصار ينمو في قلوبهن ، لقد وجدن في زمالة الماكينات تفريغاً نفسياً لم توفره لهن جلسات العلاج، ودمجاً اجتماعياً أخرجهن من عتمة الصدمة إلى نور الإنجاز في ظل شروط وظروف عمل لائقة وآمنة ، فالمشرفات متفهمات حنونات ، ومكان العمل قريب ، وساعات العمل مناسبة ، والراتب يحفظ الكرامة ويتلاءم مع الحد الأدنى للأجور ، والمكان جيد التهوية والاضاءة وتتوفر وسائل الصحة والسلامة المهنية للحفاظ على صحة العاملات ، ويحصلن العاملات على فترات استراحة لتناول الإفطار وأداء الصلاة .


العاملة ( م . ك ) 32 سنة ، متزوجة وام لستة أطفال ، زوجها عاطل عن العمل ، ذكرت انها كانت تعمل كخدم في المنازل ، وبعدها عملت في تجميع البلاستيك من النفايات هي واطفالها وبيعه للحصول على الفتات من المال لتتمكن من توفير الطعام لاسرتها ، تقول : عانيت من نظرات المجتمع الدونية لي ولاطفالي ، بناتي اصبحن يرفضن الخروج للعمل ، مررت بوضع نفسي صعب وحاولت الانتحار ، بدأت اتناول 5 حبات أدوية متنوعة يوميا ” منوم وعلاج لزيادة الكهرباء ” ، كنت اعاني من الام شديدة في الرأس ولا استطيع النوم ، عندما بدات العمل في المشغل ، شعرت بذاتي وانسانيتي ، أصبحت احصل على مصدر رزق استطيع من خلاله توفير احتياجات اسرتي ، بدأت اكثر ارتياحا كنت افرغ كل ما بداخلي في العمل ، تمكنت من ان اوفر ملابس جميلة لي ولاطفالي وبدأت اقلل من العلاج دون العودة للآلام السابقة ، والان اشعر بانني اقبلت على الحياة من جديد .


العاملة ( ر.خ )، 28 سنة ، ارملة استشهد زوجها وطفليها في الحرب ، حصلت على دعم نفسي ، تقول : عندما عرض علي العمل في المشغل رفضت الفكرة ولم اتقبلها ، كوني اول مرة اعمل ، كنت عصبية لا اتحمل احد ، الان تغيرت ظروفي للافضل أصبحت اجتماعية احب عملي ، بدات استمع لزميلاتي و ظروفهن القاسية ، شعرت بأننا يجب ان نكون أقوياء ، استقلاليتي المادية دفعتني للشعور بذاتي أصبحت أخاف من اللحظة التي سابلغ خلالها بانتهاء مدة ال 3 شهور .


العاملة (د.ع ) 30 سنة ، ام لطفلان ، تقول : استشهد زوجي بالحرب ، وللأسف تم طردي من بيتي من قبل اهل زوجي ، ولم يقبل والد زوجي منحي وصاية الأولاد ، ولكنه اكتفى بحصولي على حضانتهم ، انا اعاني من هذا الامر كثيرا ، لم أتوقع يوما ما حدث معي ، خسرت زوجي وبيتي واماني انا واطفالي ، دخلت في حالة اكتئاب نفسي حاد ، لم استطع اعالة اطفالي ، عندما عرضت علي فكرة العمل في المشغل ترددت ولم اكن اتخيل بانها ستكون خيط نجاتي واقبالي على الحياة من جديد ” هنا بفرفش ، بضحك مع زميلاتي ، بنخفف عن بعض ” كل ما اريده ان استمر في العمل ويتم إطالة مدته لنا خاصة واننا اعتدنا على الحضور هنا 6 ساعات يوميا من اجمل ايامي حياتي .


العاملة ( و.م) 33 سنة ، زوجي مفقود منذ بداية الحرب وانا مصابة في ساقي اليمنى وبها بلاتين ، اخي استشهد في الحرب أيضا ، انا ام لثلاثة أطفال ، ابني مريض بتضخم الكبد ، بيتي دمر تدميرا كليا ، كان كل اعتمادي في حياتي على زوجي ، بعد فقدانهم اصبت بانهيار عصبي حاد ، عانيت من التخيلات وأصبحت اكلم نفسي ، كنت اضرب اولادي ضربا مبرحا ، ولا احتمل وجودهم بجواري ، لجأت الى مركز شؤون المرأة وتابعوا حالتي ، أصبحت اتناول علاج نفسي ، والان بعد ان بدأت اعمل هنا تحسنت حالتي وأتمنى الا اعود للسابق .


العاملة (ل .ع ) 37 سنة ، خرج زوجي يحضر لنا الطحين في المجاعة من النابلسي ولكنه لم يعد ، استشهد ، انا ام لاربع أطفال اصغرهم بنت عمرها 5 سنوات ، كنت صاحبة صالون تجميل ، تم تدميره بالكامل ، وتدمير منزلي ، الان نازحة في خيمة في ساحة مدرسة ، وانا مريضة أزمة صدرية لا احتمل الحزن والزعل ، الان اعافر في الحياة بمفردي ، حتى لا احتاج أحد ، هنا اشعر بالارتياح .


العاملة ( ر، ب ) 46 سنة ، مطلقة من عام 2007 ، لدي بنت تبلغ من العمر 12 سنة ، اسكن في خيمة ، كنت اعمل لابنتي بسطة لبيع الشيبس والعنبر لعدم وجود دخل لي – كطوق نجاة لي ولابنتي – ولكن للأسف لم يكن مجديا ، وعندما كبرت ابنتي بدأت ترفض الجلوس امام البسطة خجلا من المجتمع ، ولم تتقبل ابنتي الفقر وقلة الحال وزادت طلباتها من مأكل ومشرب وملبس ، مما أدى لوجود مشاكل مستمرة بيننا ، انعكست على نفسية ابنتي ، بحثت عن حل وتوجهت الى مركز لحماية ودعم النساء ، وبحمد الله تم توفير فرصة العمل هذه لي وارجو الاستمرار في العمل هنا لان هذا المشغل كان سببا في حل مشاكلي مع ابنتي ، ووفر لنا العيش بكرامة ودعم نفسي كبير لم احصل عليه من جلسات العلاج النفسي بل تعافيت من خلال العمل هنا.


لسنا مجرد ارقام في قوائم الاغاثة


إن ما يحدث هنا هو “ترميم للأرواح” قبل أن يكون صناعةً لسقفٍ آمن؛ فهؤلاء النسوة اللواتي يغزلن حقائب المكملات الغذائية، يرسلن للعالم رسالة صمود صامتة: “نحن لسنا مجرد أرقام في قوائم الإغاثة”، لقد تحولن بإرادتهن من انتظار المعونة إلى صناعة وسائل النجاة ، ينسجن الحقيبة التي ستحمل القوت لغيرهن، ويخطن الشوادر التي ستغدو سقفاً يستر من لا سقف له.


مئة وعشرون عاملة، رممن انكساراتهن بخيوط الصبر، وجعلن من هذا المصدر المتواضع ملاذاً كبيراً يستعدن فيه كرامتهن التي نهشتها الحرب ، لقد أثبتن أن “التعافي بالعمل” هو الجسر الأقصر لاستعادة الذات ، غرزةً تلو غرزة، وحقيبةً تلو أخرى، ينسجن حياةً جديدة من قلب الركام.

شاهد أيضاً

أعلى هيئة تشريعية في الصين تدرس عدة مسودات ومشروعات قوانين خلال جلستها الـ22

أعلى هيئة تشريعية في الصين تدرس عدة مسودات ومشروعات قوانين خلال جلستها الـ22

شفا – (شينخوا) بدأت أعلى هيئة تشريعية في الصين، اليوم (الاثنين)، مناقشات بشأن مسودة قانون …