3:54 مساءً / 9 أبريل، 2026
آخر الاخبار

الخديعة التكتيكية في عالم الحروب ، بقلم : نسيم خطاطبة

الخديعة التكتيكية في عالم الحروب ، بقلم : نسيم خطاطبة

لم تعد الحروب في عصرنا الحديث تدار بالسلاح وحده، بل أصبحت الحرب النفسية والإعلامية جزءًا لا يقل خطورة عن المعارك في الميدان. فالكلمة الموجهة، والصورة المنتقاة، والخبر المصاغ بعناية، قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج تعجز عنها الجيوش. وفي قلب هذه الحرب تقف الإشاعة بوصفها أحد أخطر الأسلحة؛ فهي قادرة على زعزعة الثقة، وبث الخوف، وإضعاف الروح المعنوية لدى الشعوب والجيوش على حد سواء.


إن ترك الإشاعة دون مواجهة أو تفنيد يجعلها تتحول إلى أداة هدم داخلي، تتسلل إلى العقول وتعيد تشكيل الواقع في الوعي الجمعي. ومن هنا أدركت القوى المتصارعة في العالم أهمية السيطرة على الرواية الإعلامية، فصار الإعلام ميدانًا آخر للحرب، لا يقل أهمية عن خطوط القتال.


لقد عمل الاحتلال الإسرائيلي طويلًا على إحكام الغطاء الإعلامي وفرض التعتيم على كثير من الوقائع، بحيث تُعرض الأحداث للعالم وفق الرواية التي تخدم مصالحه. ومن خلال هذه الاستراتيجية يظهر في صورة المنتصر والمحقق لأهدافه، حتى في الحالات التي تكون فيها نتائج الحرب بعيدة عن تلك الصورة التي يراد ترسيخها في الأذهان.

كسب الوقت بشعارات السلام

من بين أبرز الأساليب التكتيكية التي استخدمت مرارًا رفع شعارات السلام ونبذ الحرب في الخطاب السياسي، في الوقت الذي يستمر فيه التصعيد على الأرض. فهذه اللغة تمنح الوقت وتكسب التعاطف الدولي، بينما يجري على أرض الواقع مسار مختلف تمامًا.


غير أن هذا الخطاب غالبًا ما يتكشف حين تظهر صور الدمار والضحايا، وتبرز مشاهد القتل والتهجير وهدم البيوت ودور العبادة من مساجد وكنائس. عندها تتجلى الفجوة بين الشعارات المعلنة والواقع الذي يعيشه الناس تحت وطأة الحرب.

صراع الإرادات في المنطقة

لقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة محاولات لإعادة تشكيل موازين القوة فيها، ومن بين ذلك السعي للحد من القدرات العسكرية لبعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها القدرات الصاروخية الإيرانية، إضافة إلى السعي لمنع امتلاك سلاح نووي. غير أن هذه المعادلات لا تتحدد فقط بالقوة العسكرية، بل بتشابك المصالح الدولية والإقليمية.


وفي خضم هذه الصراعات، تتقاطع الحسابات السياسية مع الطموحات الاستراتيجية، فتتحول المنطقة إلى ساحة اختبار لمعادلات القوة والنفوذ.

غزة وكشف الصورة

جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة الصراع في المنطقة. فقد كشفت تلك الأحداث أن الصورة التي تُرسم أحيانًا عن التفوق المطلق ليست دائمًا مطابقة للواقع، وأن الصراع أكثر تعقيدًا مما يظهر في الخطاب الإعلامي.


غير أن ما تبع تلك الأحداث من حروب ودمار في غزة ولبنان، وما رافقه من تحولات سياسية وجغرافية في أكثر من ساحة، أظهر حجم المأساة الإنسانية التي يدفع ثمنها المدنيون في المقام الأول.

سياسة الانقسام

لطالما استخدمت في الصراعات سياسة تفتيت المجتمعات وإثارة الانقسامات الداخلية. ومن أبرز مظاهر ذلك تغذية الخلافات المذهبية والطائفية، تحت عناوين السني والشيعي، في محاولة لإشغال المجتمعات بصراعات داخلية تستنزف طاقاتها.


غير أن هذه الانقسامات، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تمحو حقيقة أن الشعوب تتشارك في كثير من القيم والروابط الحضارية والدينية والثقافية التي تتجاوز حدود الاختلاف.

دروس التاريخ

التاريخ يعلمنا أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تحسم مصير الشعوب. فهناك قوة أخرى أكثر عمقًا وتأثيرًا، هي قوة الإرادة والصمود والوعي.


لقد شهد التاريخ سقوط قوى ظنت نفسها أبدية، لكنها تراجعت حين اصطدمت بإرادة الشعوب وصبرها الطويل. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمعات ليس قوة الخصم وحدها، بل فقدان الثقة بالقدرة على التغيير.

ختاماً

مهما تعاظمت الأزمات، ومهما اشتدت ظلمات الحروب، يبقى التاريخ شاهدًا على حقيقة لا تتغير:
أن الظلم لا يدوم، وأن الحق قد يتأخر لكنه لا يغيب.


فالشعوب التي تتمسك بكرامتها ووعيها قادرة على تجاوز المحن، لأن سنن التاريخ تؤكد أن فجر العدالة يولد غالبًا من رحم المعاناة، وأن المستقبل لا يُصنع بالقوة وحدها، بل بالإرادة والوعي والقدرة على التمسك بالحق.


نَسِيمُ خَطَّاطِبَة

شاهد أيضاً

مبادرة إنسانية مضيئة من مركز الدكتور سلام بلاغي تعيد الأمل لوجوه الأطفال في صيدا

مبادرة إنسانية مضيئة من مركز الدكتور سلام بلاغي تعيد الأمل لوجوه الأطفال في صيدا

شفا – الدكتور وسيم وني ، في مشهد إنساني يفيض رحمةً واهتمامًا، أطلق مركز الدكتور …