
الوهم الإيراني والانهيار (الإسرائيلي) : لماذا خسر الطرفان الحرب؟ بقلم : نسيم قبها
في زمن تتداخل فيه أصوات المدافع مع صهيل الانتصارات المزعومة، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الصوت لا يصنع السلطة بقدر ما يصنعها من يُصغِي إليه. فليس كل من يصرخ يُسمَع، وليس كل من ينزف يُرى. الحرب، بتعقيداتها، تعيد إنتاج هرمية الأصوات: تعلو أصوات الفاعلين الذين يقصفون ويفرضون واقعهم، وتخفت أصوات المنكوبين الذين يصرخون تحت الأنقاض. وهكذا، كلما اشتد النزيف، تراجعت قدرة المعاناة على التحول إلى صوت مسموع.
هذا هو الدرس الأول الذي تقدمه لنا الحرب الأخيرة: أن الهيمنة على المكان ـ امتلاكه، إعادة تشكيله، التحكم بحدوده ـ تظل أكثر حسماً في إنتاج السلطة من الهيمنة على العقول. والعقول، في النهاية، قد تسكن المكان قسراً، وقد تقاومه، لكنها نادراً ما تملك أن تصمت تماماً.
خسارة إيران: انكشاف الوهم الاستراتيجي
لطالما راهن النظام الإيراني على شعار “محو (إسرائيل) عن الخريطة” باعتباره ركيزة وجودية لمشروعه الإقليمي، وورقة ضغط داخلية لتبرير القمع باسم “المقاومة”. لكن الحرب الأخيرة، وما تلاها من وقف لإطلاق النار، فضحت هذا الوهم بكل تجريده. لم تتراجع (إسرائيل) تحت وطأة الصواريخ الإيرانية، بل توقفت الحرب عندما قررت القوى الكبرى ذلك. وهنا يكمن عمق الخسارة السياسية للنظام الإيراني: لقد ثبت أن أدواته العسكرية لم ترقَ إلى مستوى خطابه، وأن قدرته على الردع انكشفت أمام العالم.
لم يعد ممكناً التهديد بعد اليوم بنفس النبرة. الخريطة لم تتغير كثيرا، أما الشعارات فقد سقطت في حفرة الصمت التي حفرتها بنفسها. لقد راهن الإيرانيون على معادلة “القوة تفرض السلام”، لكن النتيجة جاءت عكسية: القوة لم تفرض إلا المزيد من العزلة، والسلام بقي بعيد المنال. النظام الإيراني يخرج من هذه الحرب منهكاً، ليس عسكرياً فقط، بل معنوياً وسياسياً، وقد انكشفت حقيقة أنه غير قادر على حماية حلفائه، ناهيك عن تحقيق حلم “المحو” الذي تغنى به طويلاً.
خسارة نتنياهو: وقف الحرب كضربة قاتلة
أما بنيامين نتنياهو، فرحيل الحرب كان بمثابة انهيار سقفه السياسي. لطالما تغذت شعبيته من نيران المعارك، وبنى صورته كـ”سيد الأمن” الذي لا يُهزم. لكن وقف إطلاق النار، مهما كان مبرره، مثّل ضربة قاسية لرواياته. الحرب كانت شريان بقائه السياسي؛ ومع توقفها، بدأت الأصوات الداخلية تتعالى تسأل: ماذا حققت؟ أمن أم خراب؟ نصر أم استنزاف؟ نتنياهو يخرج من هذه الحرب ليس منتصراً، بل منهكاً سياسياً، يواجه استحقاقات كان يؤجلها بصخب المدافع.
لقد راهن نتنياهو على معادلة “القوة مقابل السلام” التي طالما آمن بها اليمين الإسرائيلي: أن (إسرائيل) يمكنها فرض شروطها عبر التفوق العسكري، وأن الحرب هي الوسيلة الأنجع لترويع الخصوم. لكن الحرب الأخيرة أثبتت عكس ذلك تماماً. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تنتج سلاماً مستداماً. وما تحقق لم يكن سلاماً، بل هدنة هشة أظهرت أن المقاومة بالمفهوم العام ، رغم تكبدها خسائر فادحة، لا تزال قادرة على فرض معادلة جديدة: لا نصر مطلق، ولا هزيمة كاملة.
ترويض الشارع (الإسرائيلي) : من القوة إلى الاتفاق
وهنا يبرز التحول الأعمق الذي لم يحظَ بالاهتمام الكافي: إن الشارع الإسرائيلي، رغماً عن قادته، بدأ يتروض تدريجياً على فكرة أن “الاتفاق مقابل السلام” قد يكون أكثر جدوى من “القوة مقابل السلام”. فالحرب الطويلة أثبتت أن القوة العسكرية، رغم تفوقها الساحق، لا تستطيع تأمين الهدوء الدائم. كل عملية عسكرية كانت تزرع بذور الجولة التالية. والإسرائيلي العادي، الذي أنهكته سنوات من القلق والعنف، بدأ يتساءل: ما جدوى الانتصارات التكتيكية إذا كان الغد يحمل صاروخاً جديداً؟
لقد أظهرت استطلاعات الرأي في (إسرائيل) خلال الحرب الأخيرة تياراً خفياً لكنه متنامياً يدعم فكرة التفاوض وتبادل الأسرى وإعادة بناء الثقة، ليس بدافع الحلم، بل بدافع الإرهاق. لقد أدرك كثيرون أن “القوة مقابل السلام” لم تمنحهم سوى المزيد من الحروب، وأن “الاتفاق مقابل السلام” ـ مهما كان مؤلماً ـ قد يمنحهم شيئاً من الاستقرار. هذا التحول لم يصل بعد إلى قمة الهرم السياسي، لكنه يخترق القاعدة الاجتماعية شيئاً فشيئاً. نتنياهو نفسه، الذي بنى شعبيته على رفض أي تنازل، وجد نفسه مضطراً لقبول صفقات تبادل وهدن كان يعتبرها خيانة في الماضي. الحرب فضحت أيضاً أن قادة (إسرائيل) لا يستطيعون تسويق الوهم إلى ما لا نهاية.
إيران عالقة بين صمتين
لكن الأكثر مرارةً أن إيران نفسها باتت عالقة بين نظامين من الصمت: صمت الحرب الذي يُسكت الأصوات الحية بالقنابل، وصمت القمع الداخلي الذي يخنق أي محاولة للتنفس بحرية. “لا تُوزّع الحلوى في زمن الحرب”، كما يقول المثل الإيراني. والنظام يعرف ذلك جيداً: فهو يستخدم الحرب لتبرير القمع، ويستخدم القمع ليحكم قبضته على مجتمع أنهكته الخسائر. هل كانت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” ممكنة تحت القصف؟ هل كانت حملات المطالبة بالمساواة أو الإضرابات العمالية ممكنة في ظل الخوف من الطائرات؟ الإجابة واضحة: الحرب ليست بيئة للحوار، بل بيئة لإسكات كل الأصوات ما عدا صوت السلاح.
وسجن إيفين، ذلك الرمز الأسود للقمع، تحول بسخرية سوداء إلى “أكبر جامعة” إيرانية، لأنه ضم نخبة من المثقفين والناشطين. لكن أين هي الجامعة اليوم، والحرب تقصف كل شيء؟ أين الحوار بين الداخل والشتات، بين الأجيال والأيديولوجيات، وقد قطعت الانترنت وأجواء الهستيريا كل جسور التواصل؟
صحيح أن علي خامنئي رحل، لكن النظام لم يرحل. فهو ليس ديكتاتورية فردية عابرة، بل منظومة أيديولوجية لها جذور وقاعدة اجتماعية. وقد أثبتت الحرب أن هذا النظام قادر على توظيف الأزمات لإعادة إنتاج نفسه، ولو على حساب دماء أبنائه. وهنا السؤال الأصعب: هل نهاية نظام قمعي تعني بالضرورة نهاية القمع؟ أم أن الحرب ضد المستبد قد تفضي إلى حروب جديدة بين الضحايا أنفسهم؟
صوت المنكوبين هو وحده الحقيقة
إن ما يحدث اليوم هو تعرية مزدوجة: تعرية للشعارات الإيرانية التي تبخرت أمام أول اختبار حقيقي، وتعرية للمشروع السياسي الإسرائيلي الذي راهن على الحرب كغطاء لتفكيك الداخل. كلاهما خسر. إيران خسرت هيبتها العسكرية، ونتنياهو خسر ذريعة بقائه. أما الضحايا الحقيقيون، وهم الشعب الإيراني والشعب الفلسطيني ، فما زالوا عالقين بين صمتين: صمت القنابل، وصمت العالم.
تعرية للشعارات الإيرانية التي تبخرت أمام أول اختبار حقيقي، وتعرية للمشروع السياسي الإسرائيلي الذي راهن على الحرب كغطاء لتفكيك الداخل. كلاهما خسر. إيران خسرت هيبتها العسكرية، ونتنياهو خسر ذريعة بقائه. أما الضحايا الحقيقيون، وهم الشعب الإيراني والشعب الفلسطيني ، فما زالوا عالقين بين صمتين: صمت القنابل، وصمت العالم.
الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يكون عبر المزيد من العنف، ولا عبر انتظار خلاص من الخارج. بل عبر استعادة الصوت الحقيقي، صوت المنكوبين لا الفاعلين، صوت الذين ينزفون لا الذين يقصفون. ذلك أن الهيمنة على المكان، مهما بدت قوية، لن تصمد أمام الهيمنة على الضمير. والضمير، في النهاية، لا يُقصف ولا يُسجن. وما دام هناك من يسمع صرخة تحت الأنقاض، فالنصر الحقيقي ليس لمن يقصف، بل لمن يبقى صامداً.
- – نسيم قبها – كاتب وباحث فلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .