
إشكالية القراءة التاريخية للنصوص الدينية وأثرها في الوعي المعاصر ، بقلم : ابتهال عبدالوهاب
إن التراث الديني، في جوهره، نتاج تفاعل معقد بين النص المقدس وتأويلات البشر عبر العصور. وبينما يبقى النص الأصلي ثابتا في قدسيته، فإن ما تراكم حوله من شروح وتفاسير وفتاوى، إنما هو تعبير عن عقول تاريخية، محكومة بظروفها الاجتماعية والسياسية والمعرفية. وهنا تكمن الإشكالية، إذ كثيرا ما يتم الخلط بين المطلق والبشري، بين الإلهي والتأويلي، فيرفع ما هو نسبي إلى مقام اليقين، ويفرض ما هو تاريخي بوصفه أبديا.
إن الدعوة إلى مراجعة هذا التراث ليست دعوة إلى الهدم، بل إلى التمييز، تمييز بين ما يخدم إنسانية الإنسان، وما يقوضها. فما كان في الماضي استجابة لضرورات اجتماعية أو سياسية، قد يتحول اليوم إلى أداة قمع أو تبرير للعنف. وما كان ينظر إليه يوما بوصفه عدلا، قد يبدو في ضوء الوعي المعاصر ظلما فجا، لا يليق بكرامة الإنسان
لم يعد التراث حبيس المخطوطات أو رهين حلقات الدروس الدينية في المساجد، بل صار يعيش معنا في كل لحظة، تعيد إنتاجه خوارزميات المنصات الرقمية بوتيرة أسرع من قدرة العقل على التمحيص. في فضاء الفيس بوك التيك توك، لم تعد الأحاديث والمرويات تقرأ في سياقها الكامل، بل تقتطع، وتجزأ، وتعاد صياغتها بما يخدم خطابا أيديولوجيا معينا. وهكذا تتحول بعض المقولات التراثية من اجتهادات تاريخية إلى حقائق صلبة يعاد تدويرها بلا وعي، فتفقد معناها الأصلي، وتكتسب دلالات قد تكون أشد قسوة من سياقها الأول
ولم يعد الخطر محصورا في الكتب القديمة أو ما يعرف بـالكتب الصفراء التي تحمل بين طياتها قراءات مشحونة بسياقات تاريخية بالية، بل امتد الخطر إلى فضاءات إعلامية حديثة، تقدم فيها تلك المضامين نفسها في قوالب مبسطة، عبر برامج دينية شعبية تعتمد على التلقين أكثر من التحليل، وعلى الاستدعاء الآلي لمرويات عمرها قرون، دون أدنى محاولة لإعادة قراءتها أو مساءلتها. هذه البرامج، رغم انتشارها الواسع، تساهم في تكريس وعي جمعي هش، قائم على الاستهلاك السريع للمعلومة، بدلا من بناء فهم نقدي متماسك.
لقد علمنا التاريخ أن الجمود على المعنى هو بداية انحرافه، وأن النص حين ينتزع من سياقه، يتحول من هداية إلى أداة تسلط. ومن هنا فإن إعادة قراءة النصوص التراثية في ضوء القيم الإنسانية الكبرى، كالحرية والعدالة والرحمة، ليست ترفا فكريا، بل ضرورة أخلاقية. إنها محاولة لاستعادة جوهر الدين، لا صورته المتحجرة.
غير أن هذا المسعى يواجه مقاومة شديدة، إذ يخشى البعض أن تؤدي غربلة النصوص إلى زعزعة الإيمان أو تفكيك الهوية. لكن الحقيقة أن الإيمان الذي يخشى السؤال إيمان هش، وأن الهوية التي لا تتجدد تتحول إلى عبء على أصحابها. فالغربلة في جوهرها ليست نفيا للماضي، بل تحرير له من سوء الفهم، وإنقاذ له من الاستخدام الأيديولوجي.
لقد تنبه عدد من الفلاسفة والمفكرين إلى خطورة التعامل مع التراث بوصفه كتلة صماء خارج التاريخ، منهم نصر حامد أبو زيد فقد ميز بين النص والخطاب، معتبرا أن كثيرا مما يقدم بوصفه دينا ليس إلا قراءة بشرية تاريخية، وأن النص لا يكتمل إلا بتأويله.
وفي الامتداد المعاصر للفكر النقدي، يبرز صوت الفيلسوف حسن حماد بوصفه من أبرز الداعين إلى تحرير الوعي من أسر النقل الجامد، حيث يرى أن التراث لا يفهم إلا بإخضاعه لمساءلة عقلية تكشف طبقاته الخفية، وتفصل بين ما هو إنساني قابل للتطور، وما هو سلطوي استخدم لتكريس الهيمنة. وهو يؤكد أن أخطر ما يواجه العقل العربي ليس نقص المعرفة، بل غياب الجرأة على إعادة النظر فيما نعده يقينا. وفي السياق ذاته قدم الفيلسوف الراحل مراد وهبة طرحا حادا وجادا في الدفاع عن العقلانية النقدية، معتبرا أن تجديد الفكر الديني لا يمكن أن يتم دون تبني موقف علماني يحرر المجال العام من التوظيف الأيديولوجي للنصوص، ويعيد الدين إلى فضائه الروحي والأخلاقي. ويرى أن غياب هذا الفصل هو ما يسمح للنصوص التراثية بأن تتحول إلى أدوات صراع بدلا من أن تكون منابع قيم.
في هذا السياق أيضا تبرز رؤية الفيلسوف الدكتور محمد عثمان الخشت بوصفها محاولة لإعادة بناء الخطاب الديني من الداخل، لا عبر القطيعة معه بل من خلال تجديد مناهجه وآلياته. ينطلق الخشت من فكرة أن الأزمة ليست في الدين ذاته، بل في طرق التفكير التي أنتجت فهما تاريخيا جامدا، ومن ثم يدعو إلى الانتقال من “العقل النقلي إلى العقل النقدي، ومن تكرار التراث إلى إعادة قراءته وفق معطيات العصر.
ومن زاوية سوسيولوجية، قدم عالم الاجتماع الدكتور Ahmed A. Zayed قراءة عميقة لطبيعة العلاقة بين التراث والمجتمع، حيث يرى أن النصوص لا تعيش في فراغ، بل تتحرك داخل بنى اجتماعية تعيد إنتاجها وفق مصالحها وسياقاتها. ومن ثم فإن بقاء بعض التأويلات التراثية لا يرجع إلى قوتها المعرفية بقدر ما يرتبط بوظيفتها الاجتماعية في تثبيت أنماط معينة من السلطة أو الهوية. ويؤكد أن أي محاولة حقيقية لتجديد الخطاب الديني لا يمكن أن تنجح دون فهم هذا التشابك بين النص والواقع، ودون تفكيك الآليات التي تضفي على بعض القراءات طابع القداسة.
وهكذا تتكامل هذه الرؤى لتؤكد أن غربلة التراث ليست خيارا ثقافيا فحسب، بل ضرورة وجودية لحماية الإنسان من أن يسلب إنسانيته باسم ما لم يعد ينتمي إلى زمنه. إنها ليست مجرد فعل فكري، بل عملية تحرير مزدوجة، تحرير للنص من إسقاطات المجتمع، وتحرير للمجتمع من هيمنة قراءات لم تعد تعبر عن تحولاته ولا عن تطلعاته. وتعدد القراءات ليس ضعفا، بل ثراء يكشف حيوية المعنى.
إن أعظم خيانة للنص ليست في نقده، بل في تجميده، وأخطر ما يمكن أن نفعله بالماضي هو أن نحوله إلى سجن للحاضر.
إننا اليوم أمام مفترق طرق، إما أن نستمر في استنساخ قراءات قديمة دون وعي بتحول السياق، فنعيد إنتاج الأزمات ذاتها، أو أن نمتلك شجاعة المراجعة، فنفصل بين ما هو إنساني وما هو تاريخي. وفي هذا الفصل يكمن الأمل في بناء وعي ديني أكثر اتساعا وأكثر انسجاما مع كرامة الإنسان.
وأكرر مرة أخرى، الغربلة ليست فعل رفض، بل فعل اختيار، اختيار لما يستحق أن يستمر، وما يجب أن يترك لزمنه الذي ولد فيه. وحين نمتلك شجاعة هذا الاختيار، نكتشف أن الدين في جوهره لم يكن يوما نصوصا تتلى، بل معنى يعاش، وقيمة تتجدد كلما تحرر الإنسان من خوفه، وأعاد اكتشاف إنسانيته.
وفي النهاية أقول إن إنقاذ الحاضر لن يحدث الا عبر قراءة شجاعة للماضي، وإن مستقبل الإنسان لا يبنى على تراكمات غير مفحوصة، بل على وعي نقدي ينتقي، ويعيد التشكيل، ويمنح المعنى فرصة جديدة للحياة. وما كان يعد عدلا في بنية قبلية قائمة على العصبية والانتماء الضيق، قد يغدو في إطار الدولة الحديثة ظلما صريحا يتعارض مع مفاهيم المواطنة والمساواة.
ويظل الخوف من نقد التراث حاضرا بقوة، لا لأنه مقدس فحسب، بل لأنه يمثل مرآة الهوية التي يخشى الإنسان تحطيمها. فالنقد هنا لا يستقبل كفعل معرفة، بل كتهديد للانتماء، وكأن مراجعة الأفكار تعني فقدان الجذور. وفي العمق يكشف هذا الخوف عن قلق نفسي عميق، الخوف من الفراغ، من فقدان اليقين، من مواجهة عالم بلا مسلمات جاهزة. لذلك فإن تحرير التراث لا يمر فقط عبر نقد النصوص، بل عبر شجاعة داخلية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وماضيه
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .