12:02 مساءً / 6 أبريل، 2026
آخر الاخبار

حين يشرّع القاتلُ المشنقة .! بقلم : ولاء بدر أبو عصب

حين يشرّع القاتلُ المشنقة .! بقلم : ولاء بدر أبو عصب

حين يشرّع القاتلُ المشنقة .! بقلم : ولاء بدر أبو عصب


ليس أخطر ما في ما يُسمّى “قانون إعدام الأسرى” أنه يفتح الباب أمام تنفيذ القتل بقرار قضائي،
بل أخطر ما فيه أنه يحاول تطبيع الجريمة، وإخراجها من دائرة الفعل المدان إلى مساحة الفعل “المُنظَّم” و”المُقنَّن”.
وهنا تكمن الفضيحة الكبرى:


أن تتحوّل الجريمة من ممارسة ميدانية إلى عقيدة تشريعية،
وأن يصبح القتل نفسه مادة قانونية قابلة للتصويت والتفاوض والمزايدة داخل برلمان احتلال.

الحقيقة التي يجب قولها بوضوح:
إعدام الأسرى ليس جديدًا على منظومة الاحتلال.
الجديد فقط أن إسرائيل لم تعد تكتفي بإعدام الفلسطيني خارج النص،
بل تريد اليوم أن تقتله داخل النص أيضًا.
فمنذ عقود، مورست أشكال متعددة من الإعدام البطيء بحق الأسرى:
الإهمال الطبي، التعذيب، العزل الطويل، الحرمان، الإذلال، وتحويل السجن إلى مساحة استنزاف للجسد والروح.
لكن الانتقال اليوم إلى تشريع عقوبة الإعدام، يعني أن الاحتلال لم يعد يخفي شهيته للعقاب المطلق، بل صار يسعى إلى إضفاء شرعية قانونية على نزعة الانتقام.

وهنا، لا يعود السؤال:
هل هذا قانون قاسٍ؟
بل يصبح السؤال الحقيقي:
هل ما يجري ما زال قانونًا أصلًا؟

لأن أي تشريع يفقد صلته بمبادئ العدالة،
ويتحوّل إلى أداة استهداف قومي وسياسي،
لا يعود قانونًا بالمعنى الأخلاقي أو الحقوقي،
بل يصير غطاءً رسميًا للعنف.

إن جوهر هذا القانون لا يتعارض فقط مع القانون الدولي الإنساني،
ولا مع منظومة حقوق الإنسان،
بل يتصادم حتى مع المبادئ الأساسية التي تدّعي إسرائيل نفسها احترامها:
مبدأ المحاكمة العادلة، عدم التمييز، التناسب في العقوبة، واستقلال القضاء عن التحريض السياسي.
وحين يُطرح الإعدام في سياق احتلال عسكري واستعمار استيطاني، فإن المسألة لا يمكن فصلها عن اختلال ميزان القوة، وعن طبيعة الجهاز القضائي نفسه، الذي لا يحاكم الفلسطيني بصفته فردًا معزولًا، بل بصفته عدوًا قوميًا جاهزًا للإدانة.

ومن هنا، فإن أخطر ما في هذا القانون ليس فقط نصّه،
بل البيئة التي سيُطبّق فيها.
فالقانون لا يُقرأ بمعزل عن السياق،
والسياق هنا هو:
احتلال، استعمار، عنصرية، محاكم عسكرية، وحكومة يمينية متطرفة تعتبر الفلسطيني مشكلة وجود لا قضية حقوق.

وهذا ما يجعل من الحديث عن “إجراءات قانونية” أو “ضمانات قضائية” نوعًا من التجميل الزائف.
لأن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه هو:
هل يمكن لمنظومة تحتلّ الأرض، وتحاصر الإنسان، وتصادر البيت، وتهدم القرية، وتمنع التنقل، أن تتحوّل فجأة إلى مرجعية عدالة حين تقرر من يستحق الحياة ومن يستحق الموت؟

هنا تحديدًا، يسقط القناع.
فالقانون ليس سوى امتدادٍ آخر للبندقية،
والمحكمة، إن لم تكبح هذا المسار، ستتحوّل إلى غرفة تصديق لا أكثر.
ولهذا، فإن الجدل القائم حول ما إذا كانت “البَجَاتس” ستطعن في القانون أو ستعدّله أو ستلتف عليه دستوريًا، هو جدل مهم، لكنه لا يغيّر من جوهر الحقيقة:
حين يصبح القتل موضوعًا تشريعيًا مشروعًا، تكون المنظومة كلها قد دخلت مرحلة الانهيار الأخلاقي.

ثم تأتي العقدة الأخطر:
هل سيُستخدم هذا القانون بأثر رجعي ضد أسرى بعينهم؟
وهنا نكون أمام مستوى آخر من الخطورة،
لأن مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية ليس تفصيلًا تقنيًا في كتب القانون،
بل هو أحد الأعمدة التي تمنع تحوّل القضاء إلى أداة ثأر سياسي.
فإذا جرى الالتفاف على هذا المبدأ،
فإن ما يحدث لا يكون “تطبيقًا للقانون”،
بل تفصيلًا للمقصلة على مقاس خصمٍ سياسي وقومي.

وهذا تحديدًا ما يثير الخوف المشروع:
أن يكون القانون قد وُلد وفي ذهن صانعيه أسماء محددة، وملفات محددة، وأجساد محددة.
أي أننا لا نكون أمام تشريع عام،
بل أمام قانون مفصّل على مقاس الدم.

لكن من السذاجة أيضًا قراءة هذا القانون بوصفه ملفًا قضائيًا بحتًا.
إنه في جوهره أداة سياسية بامتياز.
فالحكومة الإسرائيلية الحالية، وعلى رأسها أكثر أركانها تطرفًا، لا تبحث فقط عن “الردع”،
بل عن إدارة الخوف داخليًا، وبيع الوهم للشارع اليميني، وتقديم نفسها كأكثر قدرة على البطش، وأكثر استعدادًا لسفك الدم الفلسطيني.
ولهذا، فإن القانون يبدو في جانب كبير منه مسرحًا انتخابيًا مغسولًا بلغة الأمن.

بن غفير ومن يشبهه لا يقدّمون حلولًا،
بل يقدّمون مشاهد عنف قابلة للتسويق.
وكلما فشل الاحتلال في تحقيق الأمن عبر الجدار، والحواجز، والاقتحامات، والاعتقالات، والاستيطان،
احتاج إلى جرعة جديدة من التوحش كي يقنع جمهوره بأنه ما زال “مسيطرًا”.
وهنا يصبح الإعدام ليس سياسة عدالة،
بل إعلان إفلاس سياسي وأمني.

فالدولة التي تدّعي أنها تملك أقوى جيش،
وأعتى أجهزة استخبارات،
وأشد منظومات القمع إحكامًا،
ثم تعود لتبحث عن حبل مشنقة كي تشعر بالأمان،
هي في الحقيقة لا تكشف عن قوتها،
بل عن عجزها العميق.

ولذلك، فإن “قانون إعدام الأسرى” لا ينبغي قراءته فقط بوصفه اعتداءً على الأسرى،
بل بوصفه رسالة موجهة إلى الشعب الفلسطيني كله:
أن الاحتلال لم يعد يكتفي بسلب الأرض،
بل يريد أن يجرّد الفلسطيني حتى من الحق في أن يُحاكم كإنسان.

إنه يريد أسيرًا بلا حماية،
ومواطنًا بلا حركة،
وأرضًا بلا أصحاب،
وروايةً بلا شهود.

لكن التاريخ يقول شيئًا آخر.
كل استعمار حين يصل إلى مرحلة تقنين الموت،
فهو لا يثبت قوته،
بل يعلن ذعره من الحياة التي يعجز عن كسرها.

وهنا، لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها:
لسنا أمام قانون عدالة،
ولا أمام ضرورة أمنية،
ولا حتى أمام “تعديل تشريعي” كما يحاولون تصويره.
نحن أمام محاولة لتشريع القتل السياسي تحت غطاء قضائي.

والأخطر من كل ذلك،
أن العالم الذي يصمت على الاحتلال وهو يهدم البيت،
قد يصمت أيضًا وهو يبني المشنقة.
لكن الصمت لا يغيّر الحقيقة.
فالظلم، مهما لبس ثوب القانون،
يبقى ظلمًا.
والإعدام، مهما حُفّت به النصوص،
يبقى قتلًا.

وفي النهاية،
فإن السؤال الذي يجب أن يبقى معلقًا في وجه هذا المشهد كله ليس:
هل يحقّ لهم إعدام الأسرى؟
بل:

من أعطى القاتل أصلًا حقّ أن يكتب القانون .!

شاهد أيضاً

قوات الاحتلال تفرض حصاراً شاملاً على بلدة بيت أمر شمال الخليل

قوات الاحتلال تفرض حصاراً شاملاً على بلدة بيت أمر شمال الخليل

شفا – أغلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الإثنين، مداخل بلدة بيت أمر شمال الخليل بالسواتر …