
التعليم.. الضحية الأسهل ، بقلم : قمر عبد الرحمن
المدارس مغلقة، والبلاد مفتوحة على التناقض، منعوا المدارس والجامعات، وأبقوا الأبواب مفتوحةً للزحام، كأنّ الضجيج أكثر أمانًا من المعرفة، وكأنّ الرقص فوق الحافة أقلّ خطرًا من الجلوس على مقعدٍ خشبيّ يعلّم أبناءنا كيف يكتبون أسماءهم على سبورة الغد.
قالوا: حرب. فأغلقوا دفاتر الأطفال، وتركوا الساحات تمتلئ بالتصفيق.
قالوا: خطر. فأطفأوا سبّورةً، وأشعلوا ألف منصةٍ للقاءاتٍ لا تُنقذ أحدًا من جهله، ولا تُبعد شظيّةً عن صدر المدينة.
أيّ مفارقةٍ هذه التي تُشبه مرآةً مكسورة؟ نرى فيها وجوهًا كثيرة، ولا نرى الحقيقة. كيف يُصبح العلم ترفًا مؤجّلًا، وتُصبح التجمّعات ضرورةً يوميّة؟
كيف يُطلب من الطالب أن يؤجّل حلمه، بينما يُطلب من الشارع أن يحتفل، أن يجتمع، أن يزدحم كأنّ الحياة لا تُهدَّد؟
أهو تناقضٌ؟ أم حيرةٌ ترتدي ثوب القرار؟ أم أنّنا في لحظةٍ ما، فقدنا البوصلة، فصرنا نخاف من الهدوء أكثر ممّا نخاف من الفوضى؟
المدرسة نافذةٌ على ما يمكن أن نكونه. والجامعة سؤالٌ مفتوح على احتمالاتٍ لا تنتهي. حين تُغلق، لا يُغلق بابٌ واحد، بل تتراجع مدينةٌ كاملة خطوةً إلى الوراء، كأنّها تخشى أن ترى مستقبلها في المرآة.
وفي المقابل، تُفتح الأبواب لكلّ ما هو عابر. عرسٌ يعلو فيه الصوت كي يُخفي القلق، انتخاباتٌ تُشبه مواسم الكلام، ولقاءاتٌ عائلية نُعيد فيها الحكايات نفسها، ونضحك كأنّنا نُقنع الخوف بأنّه غير موجود.
يا لهذا التناقض الذي يمشي بيننا كظلٍّ ثقيل. لا هو يرحل، ولا نحن نستطيع تجاهله. نسأل: هل هي سياسة تجهيل؟ أم هو عجزٌ عن ترتيب الأولويات في بلادٍ تختلط فيها الأصوات؟
ربما ليست الإجابة كلمةً واحدة. ربما هي مزيجٌ من خوفٍ، وفوضى، وقراراتٍ تُصاغ على عجل، ثم تُترك لنا لنفهمها كما نشاء. لكن ما نعرفه، وما لا يحتاج إلى تفسير، هو أنّ المعرفة لا يجب أن تكون الضحية الأسهل!
نريد أن نتعلّم، لنفهم لماذا لا ننجو؟
نريد أن نفتح كتابًا لنواجه؟
نريد أن نقول: إنّ العقل أيضًا يستحقّ الحماية، كما الجسد، وإنّ إغلاقه ليس حلًا، بل بداية خسارةٍ طويلة.
في الحرب، تصبح الأشياء أكثر وضوحًا، فإمّا أن نحمي الإنسان كلّه، أو نتركه نصف حيّ، نصف واعٍ، نصف قادرٍ على أن يرى الطريق.
وهكذا، نبقى معلّقين بين بابٍ أُغلق على عجل، وساحةٍ فُتحت بلا سؤال، نحمل دهشتنا كحقيبةٍ قديمة، ونسير باحثين عن معنىً لا يتناقض مع نفسه، ولا يخجل من أن يكون عادلًا.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .