10:52 صباحًا / 28 مارس، 2026
آخر الاخبار

ومالها النمليّة… المهم الكرامة ، بقلم : أحمد سليمان

ومالها النمليّة… المهم الكرامة ، بقلم : أحمد سليمان

في زمنٍ باتت فيه الحياة مرهونة بزرّ كهرباء، وإشارة إنترنت، وشبكةٍ لا تنقطع، يعلو سؤالٌ بسيط في شكله، عميق في معناه: ماذا لو انطفأ كل شيء؟ ماذا لو ضُربت البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط وأوروبا، وغرق العالم في الظلام؟ هل تنهار القيم كما تنهار المدن، أم تبقى الكرامة آخر ما يُطفأ؟

“ومالها النمليّة… المهم الكرامة” ليست مجرد عبارة عابرة، بل تختصر فلسفة شعبٍ عاش التجربة لا كاحتمال، بل كواقع يومي. نحن الذين عرفنا العتمة طويلاً، ولم تكن الكهرباء جزءاً من تفاصيل حياتنا، بل استثناءً نادراً. عشنا على ضوء الشموع، وجلبنا الماء من “السبيل”، وخزّنا الطعام بالتمليح، لا ترفاً بل ضرورة. ومع ذلك، لم نشعر يوماً أننا أقل من غيرنا، لأن الكرامة كانت حاضرة، وكانت الوطن.

لم تكن التكنولوجيا يوماً شرطاً للإبداع أو الوعي. من تحت ضوء الشموع، خرج الأدباء والمفكرون والعلماء. لم يكن هناك “جي بي إس” ولا “داتا”، ومع ذلك كان هناك وعيٌ حاد، وإرادة صلبة، وقدرة على التخطيط والمواجهة. كانوا يقتحمون، يقاومون، ويستشهدون، لا لأنهم يملكون أدوات متطورة، بل لأنهم يملكون كرامة لا تُقهر.

وحين نتأمل اليوم في مشاهد الصمود، نجد أن التاريخ يعيد نفسه بأسماء مختلفة. من غزة إلى تل الزعتر، ومن الدامور إلى شاتيلا والبداوي، ذات الحكاية تتكرر: قصف، دمار، حصار، وانقطاع لكل مقومات الحياة. مستشفيات تُدمَّر، وأخرى تعمل بلا كهرباء أو ماء، ومع ذلك يواصل الأطباء عملهم حتى وصلوا إلى العالمية، لا لأن الظروف تساعدهم، بل لأن الإرادة أقوى من كل شيء. حتى في أحلك اللحظات، لم يكن الرهان على الوسائل، بل على الإنسان ذاته.

السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف نحافظ على رفاهيتنا؟ بل: ماذا بقي من كرامتنا؟ لماذا يخاف البعض من فقدان وسائل الراحة، بينما هناك من فقد كل شيء ولم يفقد نفسه؟ لماذا يُعتقل أصحاب العقول والضمائر؟ لأنهم ببساطة يرفضون الانكسار، ويتمسكون بكرامتهم.

لسنا بحاجة إلى التسوّل من أجل شحن هواتفنا أو تشغيل سياراتنا، ولا إلى التنازل عن مبادئنا بحجة الحفاظ على نمط حياةٍ زائف. البيئة التي يُقال إننا نحميها، دُمّرت أساساً بفعل الاحتلال، الذي لم يترك شجراً ولا بشراً إلا وأصابه. ومع ذلك، خرج شعبنا من تحت الركام، مرفوع الرأس، متمسكاً بكرامته.

قد يأتي يومٌ يُختبر فيه العالم كما اختُبرنا نحن. يومٌ تنقطع فيه الكهرباء، وتتعطل التكنولوجيا، ويعود الإنسان إلى جوهره الأول. عندها فقط، سيتضح الفارق بين من بنى حياته على الوسائل، ومن بناها على القيم. فلتكن الحقيقة واضحة: ليست المسألة في توفر الضوء، بل في ألا ينطفئ الداخل. ليست في وفرة الماء، بل في نقاء الموقف. وليست في رفاهية العيش، بل في كرامة الإنسان.

فالكرامة ليست شعاراً يُرفع عند الشدائد فقط، بل هي نهج حياة، وموقف يومي يبدأ من الكلمة الصادقة ويمتد إلى الفعل المسؤول. هي أن ترفض الظلم مهما كان الثمن، وأن تنحاز للحق حتى لو وقفت وحيداً. لقد علّمتنا التجارب القاسية أن الإنسان يمكن أن يتكيّف مع الجوع والعطش والخوف، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا كرامة. الجسد قد يضعف، لكن الروح إذا انكسرت، لا تُجبر بسهولة، ولهذا كان الرهان دائماً على كسر الإرادة قبل كسر الحجر.

وما بين العتمة والنور، تبقى الكرامة هي البوصلة التي تحدد الاتجاه، وتمنح المعنى لكل تضحية. من دونها تصبح الحياة مجرد بقاءٍ بلا قيمة، ومعها يتحول الألم إلى قوة، والخسارة إلى درس، والمعاناة إلى طريق نحو الحرية. فالشعوب التي عرفت معنى الكرامة لا يمكن أن تُهزم، قد تتعب لكنها لا تنكسر، لأنها لا تقيس نفسها بما تملك، بل بما تمثّل.

وفي عالمٍ يعيد تشكيل أولوياته كل يوم، تبقى هناك حقيقة ثابتة لا تتبدل: الكرامة ليست خياراً لشرط الوجود .

  • – أحمد سليمان – حركة فتح – السويد

شاهد أيضاً

تقرير : الاستيطان يتواصل بتسارع وارهاب المستوطنين يصل مستويات قياسية غير مسبوقة

شفا – مديحه الأعرج – إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية واستهدافهم …