11:58 مساءً / 24 مارس، 2026
آخر الاخبار

كيف نستثمر في الإنسان بكفاءة أكبر؟ بقلم : تيان جيانينغ

كيف نستثمر في الإنسان بكفاءة أكبر؟ بقلم : تيان جيانينغ

كيف نستثمر في الإنسان بكفاءة أكبر؟ بقلم : تيان جيانينغ

بمتابعة النقاشات السياسية الصينية خلال العامين الماضيين، يبرز تغييرٌ هام يتمثل في تزايد الحديث عن مفهوم “الاستثمار في الإنسان”.

فمنذ أن طُرح لأول مرة في تقرير عمل الحكومة لعام 2025 التأكيد على “توجيه مزيد من الموارد المالية نحو الاستثمار في الإنسان وخدمة معيشة المواطنين”، ثم جاء تقرير عام 2026 ليشدد أكثر على “دعم تنشيط الاستهلاك، والاستثمار في الإنسان، وضمان سبل العيش”، أخذ هذا المفهوم يتحول تدريجياً إلى أحد المفاتيح الأساسية في السياسات الاقتصادية الصينية.

ويكمن وراء ذلك تحول في منطق التنمية في الصين. ففي العقود القليلة الماضية، اعتمدت التنمية الصينية بشكل كبير على التراكم السريع للبنية التحتية، والأنظمة الصناعية، والقدرات التصنيعية – أي ما يمكن تسميته “الاستثمار في الأشياء”. لكن، ومع وجود نظام صناعي متكامل إلى حد كبير وقدرة إنتاجية مادية محسنة بشكل ملحوظ، تبرز تساؤلات جديدة: من أين تأتي القوة الدافعة للابتكار؟ كيف نطلق العنان لإمكانات الاستهلاك؟ وكيف نتكيف مع تغيرات التركيبة السكانية؟

يشير الجواب بشكل متزايد إلى اتجاه واحد: الإنسان.


فالاستثمار في الإنسان لا يعني مجرد زيادة الإنفاق على الشؤون الاجتماعية، بل يشير إلى استثمار منهجي يتمحور حول تنمية الإنسان ذاته: من خلال التعليم، والرعاية الصحية، ونظم الضمان الاجتماعي، والخدمات العامة، بما يعزز قدرات الأفراد وصحتهم وجودة حياتهم. بمعنى آخر، لم يعد موضوع الاستثمار مقتصرا على البنية التحتية، بل أصبح يشمل المعرفة والمهارات وفرص التطور.


ومن منظور اقتصادي، يرتبط هذا التوجه بكل من جانب العرض وجانب الطلب.

فعلى صعيد العرض، يُعد الابتكار المحرك الأساسي للتنمية عالية الجودة، والإنسان هو جوهر هذا الابتكار. ومع تعمّق موجة الثورة التكنولوجية والصناعية الجديدة، تفرض مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والتكنولوجيا الخضراء متطلبات أعلى على هيكلية الكفاءات. لذا فإن تحسين آليات تحفيز الباحثين، وتعزيز حماية الملكية الفكرية، وتهيئة بيئة تتسامح مع الفشل، كلها خطوات تهيئ الظروف لنمو المواهب العلمية والتقنية. وكلما ازداد عدد العاملين ذوي الكفاءة العالية، ازدادت خصوبة التربة التي تنمو فيها القوى الإنتاجية حديثة النوعية.

أما على صعيد الطلب، فإن “الاستثمار في الإنسان” يرتبط ارتباطا وثيقا بتحرير إمكانات الاستهلاك. فرغم ضخامة السوق الاستهلاكية في الصين، لا تزال العديد من الأسر تحافظ على معدلات ادخار مرتفعة، ويرجع ذلك جزئيا إلى القلق بشأن نفقات التعليم والرعاية الصحية والتقاعد في المستقبل. ومن ثم، فإن تحفيز الاستهلاك لا يمكن أن يعتمد على إجراءات قصيرة الأجل فقط، بل يتطلب تقليص حالة عدم اليقين هذه.

ومن هذا المنطلق، جاءت سلسلة من السياسات في تقرير عمل الحكومة هذا العام متمحورة حول “احتياجات الإنسان”. فعلى سبيل المثال، تم التركيز على فئتي “المسنين والأطفال” عبر تحسين نظام إعانات رعاية الأطفال وضمانات الإنجاب، وتطوير خدمات حضانة ميسّرة؛ ورفع الحد الأدنى للمعاشات الأساسية لسكان الحضر والريف؛ وزيادة الدعم المالي الحكومي للتأمين الصحي للسكان؛ وتعزيز تطوير الأدوية المبتكرة والأجهزة الطبية لتلبية الطلب المتزايد على خدمات صحية عالية الجودة. كما تسعى السياسات المتعلقة بالإسكان وصناديق الادخار السكني إلى تخفيف الأعباء عن الأسر الشابة.

ومنطق هذه السياسات واضح: عندما لا تعود الأسر مثقلة بالقلق بشأن النفقات المستقبلية، تصبح أكثر استعداداً للاستهلاك وأكثر قدرة على التخطيط طويل الأجل.

كما يعكس الاستثمار في التعليم منظورا طويل الأمد لـ”الاستثمار في الإنسان”. فمن التعليم الأساسي إلى التعليم العالي، ثم إلى التعليم المهني وأنظمة التعلم مدى الحياة، يهدف هذا النهج إلى تحسين جودة رأس المال البشري. ولا سيما في ظل التحول الصناعي، أصبح التدريب المهني جسرا مهما يربط بين التعليم والاقتصاد. ومن خلال التعلم المستمر وتطوير المهارات، يمكن للعمال مواكبة التغيرات التكنولوجية، ما يساهم في زيادة دخولهم وفي الوقت نفسه يدعم ترقية الصناعات.

إضافة إلى ذلك، يعني “الاستثمار في الإنسان” تحقيق قدر أكبر من التوازن في الخدمات العامة. فسواء أكان ذلك من خلال بناء أنظمة رعاية صحية على مستوى المحافظات أو تخصيص موارد تعليمية للمناطق الأقل نموا، فإن الهدف هو ضمان تكافؤ الفرص في التنمية لأكبر عدد ممكن من الناس. وكلما كانت الخدمات العامة أكثر عدالة، كلما سهل على الطبقة المتوسطة توسيع نطاقها، وهو ما يعد أساسا جوهريا لنمو الاستهلاك والاستقرار الاجتماعي.

وبالطبع، بخلاف بناء طريق سريع أو إنشاء مصنع، فإن “الاستثمار في الإنسان” لا ينعكس فورا في المؤشرات الاقتصادية. فرفع جودة التعليم، وتراكم رأس المال البشري، وتحسين مستوى الصحة، كلها تُعد “متغيرات بطيئة”. لكنها، رغم حاجتها إلى الوقت، تُنتج في نهاية المطاف عوائد أكثر استدامة وعمقا.

  • – تيان جيانينغ – إعلامية صينية من قناة CGTNArabic – الصين

شاهد أيضاً

مقتلة سيدة بجريمة إطلاق نار في الرينة

شفا – قُتلت سيدة، مساء اليوم الثلاثاء، في جريمة إطلاق نار ببلدة الرينة بمنطقة الجليل …