8:01 مساءً / 10 مارس، 2026
آخر الاخبار

حين يترجّل الصقر… المناضل الفتحاوي علي أبو غزة من أزقة مخيم جباليا إلى ذاكرة النضال ، بقلم : سامي إبراهيم فودة

حين يترجّل الصقر… المناضل الفتحاوي علي أبو غزة من أزقة مخيم جباليا إلى ذاكرة النضال ، بقلم : سامي إبراهيم فودة


ترجّل الصقر، لكن صدى جناحيه ما زال يحلّق في سماء مخيم جباليا. رحل الجسد، وبقيت الحكاية حيّة في ذاكرة المكان والناس؛ حكاية رجلٍ عاش بسيطًا بين أبناء مخيمه، لكنه حمل في قلبه قضية وطن، وسار على درب النضال منذ فجر الانتفاضة الأولى، مؤمنًا أن الحرية تُصنع بالصبر والتضحية. كان علي أبو غزة واحدًا من أولئك الرجال الذين لا تُختصر حياتهم في تواريخ الميلاد والرحيل، بل في الأثر الذي يتركونه في قلوب رفاقهم ووجدان شعبهم.

قال تعالى:
“مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”
صدق الله العظيم.


في حياة الشعوب لحظاتٌ يترجل فيها الرجال، لكن آثارهم تبقى حيّة في ذاكرة المكان والناس. ومن بين أولئك الرجال الذين خطّوا أسماءهم في سجل النضال الفلسطيني بصدقٍ وإخلاص، يبرز اسم المناضل الفتحاوي علي محمد علي أبو غزة (أبو محمد)، الملقب بـ “الصقر”، أحد أبناء مخيم جباليا الذين حملوا راية الكرامة منذ فجر الانتفاضة الأولى، وظلوا أوفياء للعهد حتى آخر لحظة من حياتهم.

وُلد علي أبو غزة في الثالث من فبراير عام 1968، لأسرة فلسطينية لاجئة تعود جذورها إلى مدينة أسدود المحتلة، ونشأ في أزقة مخيم جباليا التي كانت، وما تزال، مدرسةً للنضال والصمود. هناك، في شوارع المخيم الضيقة وحواريه المزدحمة بالحياة والألم، تشكّل وعيه الوطني مبكرًا، فكان من أبناء الجيل الذي تربّى على حب الوطن ومقارعة الاحتلال.
منذ سنوات شبابه الأولى، برز أبو محمد كأحد نشطاء حركة الشبيبة الفتحاوية داخل المدارس، حيث كان شعلةً من النشاط والحيوية في العمل الطلابي والوطني. شارك مع زملائه في تنظيم الفعاليات الوطنية، ووقف في الصفوف الأولى لمواجهة جنود الاحتلال خلال انتفاضة عام 1987، تلك الانتفاضة التي صنعت جيلاً من المناضلين الذين آمنوا بأن الحجارة يمكن أن تكون سلاحًا في وجه الظلم.

ولم تكن مسيرة النضال سهلة؛ فقد تعرّض علي أبو غزة للاعتقال عدة مرات من قبل قوات الاحتلال، وكان أول اعتقال له في السادس عشر من أبريل عام 1988، في اليوم ذاته الذي استُشهد فيه القائد الفلسطيني الكبير خليل الوزير “أبو جهاد”. وقد أمضى خلال تلك المرحلة شهورًا في الاعتقال، وتعرّض للملاحقة والاستدعاءات المتكررة من قبل أجهزة الاحتلال، في محاولة لكسر إرادته، لكنه ظل ثابتًا على موقفه، مؤمنًا بأن طريق الحرية لا يُعبَّد إلا بالتضحيات.

وخلال سنوات الانتفاضة الأولى، واصل الصقر حضوره في ميادين المواجهة، حيث رافق العديد من مطاردي حركة فتح من مجموعات الصقور والفهد الأسود، وكان جزءًا من ذلك الحراك الشعبي الذي صنع ملحمة الصمود الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.

ومع عودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أرض الوطن عام 1994، انخرط الراحل في مؤسساتها، فالتحق بدورة المرور والنجدة في المنتدى بتاريخ الأول من يونيو 1994، وعمل لاحقًا في قسم المباحث، حيث أدى واجبه الوظيفي بإخلاص ومسؤولية، حتى تقاعده بقرار من الرئيس محمود عباس (أبو مازن).


كما كان علي أبو غزة من المشاركين في المؤتمر التأسيسي الأول لحركة فتح في غزة عام 1994، وهو المؤتمر الذي عُقد في مقر الحركة قرب معتقل أنصار، حيث شارك فيه بفاعلية، وحظي بثقة رفاقه الذين رأوا فيه نموذجًا للشاب الفتحاوي المخلص لقضيته وحركته.


لكن ما ميّز أبا محمد لم يكن فقط تاريخه النضالي، بل أيضًا أخلاقه العالية وإنسانيته الرفيعة. فقد عرفه الجميع صاحب قلبٍ كبير، وابتسامةٍ صادقة لا تفارق وجهه، حتى في أصعب الظروف. كان قريبًا من الناس، محبوبًا من الصغير قبل الكبير، ورفيقًا وفيًا لمن عرفه وجالسه.

وبعد رحلةٍ طويلة من الصبر والمعاناة مع مرض السرطان في الدم والعظام، أسلم المناضل علي أبو غزة “الصقر” الروح إلى بارئها يوم الاثنين الأول من أبريل عام 2019، في مستشفى المطلع بالقدس، عن عمر ناهز واحدًا وخمسين عامًا، بعد أن خاض مع المرض معركة صبرٍ وإيمان كما خاض في حياته معارك النضال.


وصل جثمانه الطاهر إلى مخيم جباليا ظهر ذلك اليوم، حيث شيّعته جماهير غفيرة من أبناء شعبنا، الذين توافدوا لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على واحدٍ من أبناء المخيم الأوفياء. وقد أقيمت صلاة الجنازة عليه بعد صلاة العصر في مسجد العودة بالمخيم، بناءً على وصيته، قبل أن يُوارى الثرى في مقبرة الفالوجا في موكبٍ جنائزي مهيب خيّم عليه الحزن والأسى.

برحيل علي أبو غزة، فقدت حركة فتح واحدًا من رجالها الأوفياء، وفقد مخيم جباليا أحد أبنائه الذين عاشوا بين الناس بصدقٍ وتواضع. لكن ذكراه ستبقى حيّة في قلوب من عرفوه، وفي ذاكرة المخيم الذي شهد خطواته الأولى في درب النضال.
بقلوبٍ يملؤها الحزن، نتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى عائلة أبو غزة الكريمة، وإلى أبنائه وأشقائه وذويه، سائلين الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.


“يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي
وَادْخُلِي جَنَّتِي”
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شاهد أيضاً

جبهة النضال الشعبي تستقبل أكاديمية يابانية في طولكرم وتطلعها على واقع الأوضاع الفلسطينية

جبهة النضال الشعبي تستقبل أكاديمية يابانية في طولكرم وتطلعها على واقع الأوضاع الفلسطينية

شفا – استقبلت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في مكتبها بمدينة طولكرم الأكاديمية والباحثة اليابانية د. …