
النكبة الصامتة” أم “الفوضى الخلاقة”: سيناريوهات وجودية تنتظر فلسطين بعد الحرب ، بقلم : نسيم قبها
في خضمّ صراعات الشرق الأوسط، تبقى الحرب هي “استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، وفقاً لرؤية كلاوزفيتز، إلا أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتعلة على إيران تتجاوز هذا المفهوم الكلاسيكي لتصبح أشبه بلحظة “استثنائية” بالمعنى الشميتي، حيث تُعلّق فيها القواعد ويُعاد تعريف المفاهيم. إنها ليست مجرد عملية عسكرية، بل زلزال جيوسياسي ستعيد موجاته الارتدادية تشكيل بؤرة الصراع الأهم: القضية الفلسطينية.
لطالما شكلت إيران، بوصفها رأس “هلال شيعي” ممتد، ثقلاً استراتيجياً معادياً للمشروع الصهيوني إعلاميا ، ليس فقط على المستوى الأيديولوجي، بل عبر توفير غطاء جيوسياسي ودعم لوجستي (لمحور المقاومة) . إن توجيه ضربة قاضية للجمهورية الإيرانية، بالتحالف مع القوة العظمى الوحيدة في العالم، سيعني زوال هذا الثقل، مما يحدث فراغاً استراتيجياً سيملأه حتماً الطرف الأقوى في المعادلة الإقليمية.
سيناريوهات ما بعد الحرب وإعادة هندسة الإقليم:
في مرحلة ما بعد الصدمة، يمكن توقع سيناريوهين رئيسيين، لكل منهما انعكاسات وجودية على فلسطين:
- سيناريو “الهيمنة الأحادية” ونهاية دورية الصراع:
في حال تحقيق نصر ساحق وحاسم، سيشهد الإقليم تحولاً جذرياً في “بنية القوة”. ستتحول (إسرائيل ) من كونها قوة إقليمية كبرى إلى الركيزة الأمنية الفعلية للمنطقة بغطاء أمريكي مطلق. هذا السيناريو سيؤدي إلى “تجميد” الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ليس عبر حلّ سياسي، بل عبر “الموت السريري” للقضية. ستنهار نظرية “وحدة الساحات” التي راهنت عليها فصائل الفلسطينية. ستتحول السلطة الوطنية في الضفة الغربية من سلطة ” خدماتية موسّعة ” إلى كيان تحت “وصاية أمنية” مشددة. هنا، يتحقق مفهوم “الدولة الأمنية” (الأرخبيل) بامتياز، حيث تتحول الأرض الفلسطينية إلى كانتونات معزولة، ويُعاد إنتاج “النكبة” بشكل بطيء وصامت عبر الضم التدريجي وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة، تحت مظلة صفقة القرن التي قد تعاد صياغتها لتصبح أمراً واقعاً لا نقاش فيه. - سيناريو “الفوضى الخلاقة” وعودة إنتاج المقاومة:
في المقابل، إذا أسفرت الحرب عن تدمير البنية التحتية الإيرانية دون القضاء على النظام أو فكر “المقاومة”، فقد نشهد تحول إيران إلى “دولة فاشلة” أو هشّة. هذا الفراغ، وإن أضعف المحور، إلا أنه سيخلق بيئة خصبة لظهور جماعات جهادية جديدة، سواء على السلفية الجهادية، أو بقايا الحرس الثوري، أو تحالفات غير تقليدية. في هذه الحالة، قد تتحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني بقيادة حركات علمانية أو إسلامية مؤسساتية إلى ساحة لجهادية عالمية لا تعترف بالحدود ولا بالدول. هذا السيناريو سيعيد إنتاج القضية بشكل مغاير تماماً، حيث تصبح فلسطين رمزاً في “معركة وجودية” كبرى بين “دار الإسلام” و”دار الحرب”، مما يعقّد أي أفق سياسي ويدفع المنطقة نحو حرب استنزاف لا نهائية.
التحول في الميتافيزيقا السياسية للقضية:
بعيداً عن الجغرافيا، ستعيد الحرب تعريف “المقدس” و”المركزية” في الخطاب السياسي الفلسطيني. فمنذ عقود، مثّلت فلسطين “البوصلة الأخلاقية” للعرب والمسلمين، والقضية التي توحد الشعوب ضد الأنظمة. بعد زوال الخطر الإيراني، ستتحول الأنظمة العربية (خاصة المطبعة) من حالة “الاضطرار” إلى حالة “الاقتناع” في علاقاتها مع إسرائيل. سينهار آخر جدار فاصل بين “التطبيع المضمر” و”التطبيع الاحتفائي”. هنا، ستدخل القضية الفلسطينية مرحلة “الأنطولوجيا السياسية” الجديدة: فبدلاً من كونها قضية أمة، ستتحول إلى قضية لاجئين ومقاومين، يفقدون غطاءهم الإقليمي ويواجهون آلة حرب لا تقهر. هذا سيخلق أزمة وجودية في الخطاب الوطني الفلسطيني، الذي سيجد نفسه مضطراً إما لتبني خطاب مقاومة فردية أو الدخول في “مفاوضات المستضعفين” التي لا تخرج عن كونها إدارة للهزيمة.
الانعكاسات الجيوسياسية المباشرة:
على المستوى الجيوسياسي الصرف، ستتمكن إسرائيل من مدّ سيطرتها من “النهر إلى البحر” ليس عسكرياً فحسب، بل عبر شبكة من التحالفات الإقليمية. سيتحول مشروع “النقل الاستراتيجي” (الممرات الاقتصادية) إلى أداة لعزل الفلسطينيين. الضفة الغربية ستصبح جيباً معزولاً تماماً، بينما سيتحول قطاع غزة، بعد تدميره المستمر ، إلى سجن كبير تحت حصار مطلق، أو قد يُعاد توطين سكانه قسراً في إطار “صفقة تبادل أراضٍ” كبرى مع مصر أو الأردن تحت ضغوط لا تُقاوَم.
بارقة الأمل: إعادة هيكلة الخريطة السياسية كفرصة تاريخية
غير أن الديالكتيك الهيغلي يعلمنا أن كل نقيض يحمل في طياته بذرة نفيه، وكل صدمة كبرى تحمل إمكانية ولادة جديدة. ففي خضم هذا الدمار الجيوسياسي، قد تنبثق بارقة أمل غير متوقعة من رحم إعادة الهيكلة القسرية للخريطة السياسية. إن انهيار المحور الإيراني، الذي كان يشكل ثقلاً إقليمياً معادياً، قد يحرر القضية الفلسطينية من عبء الصراع بالوكالة، ويعيدها إلى جوهرها كقضية تحرر وطني خالص. فبدون الغطاء الإيراني، قد تضطر القيادة الفلسطينية إلى إعادة اختراع نفسها، والانتقال من خطاب المقاومة المسلحة الذي أثبت محدوديته، إلى استراتيجية “المقاومة المدنية الكونية” المستندة إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان.
هذه اللحظة التاريخية قد تشكل “عقداً تأسيسياً” جديداً، حيث تدرك الأطراف الدولية والإقليمية (بما فيها إسرائيل) أن استمرار الاحتلال بكلفته الحالية سيغذي تطرفاً لا يمكن السيطرة عليه في المستقبل. قد يضطر المجتمع الدولي، أمام فراغ استراتيجي مفاجئ، إلى التدخل بشكل جاد لفرض حل قائم على “العدالة الانتقالية” لا على موازين القوى فقط. ففي لحظات إعادة الهيكلة القصوى، تنفتح “نوافذ أوفرتون” جديدة، قد يتمكن الفلسطينيون من خلالها، بذكاء سياسي عالٍ واستثمار الضمير العالمي، من تحويل الهزيمة العسكرية إلى فرصة سياسية، والمطالبة بدولة على حدود 67 مع ضمانات دولية، تكون ثمرة اعتراف عالمي بأن الخيار العسكري فشل في تحقيق الأمن لأي طرف. الألم العظيم قد يكون مقدمة لولادة سياسية حقيقية، إذا توفرت الإرادة والرؤية.
- – : نسيم قبها – المجلس المركزي للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال – اتحاد الكتاب الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .