
الدكتورة ليلى غنّام… إنما الإنسان أثر وبصمة ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في مسيرة الحياة الطويلة، يلتقي الإنسان بوجوهٍ كثيرة، غير أنّ قلةً منهم يتركون في الروح أثراً لا يُمحى، كالنور الذي يبقى في الذاكرة حتى بعد أن تغيب اللحظة. ولهذا كانت الحكمة القرآنية البليغة “ولا تنسوا الفضل بينكم” دستوراً إنسانياً عميقاً يذكّرنا بأن الوفاء لمن مرّوا في حياتنا وتركوا أثراً جميلاً هو من أنبل ما يحمله القلب. ومن بين تلك الشخصيات التي كان لها في مسيرتي الإنسانية والأكاديمية أثر طيب وبصمة لا تُنسى، الدكتورة ليلى غنّام.
كانت بداية التعارف حين تواصلت معي هاتفياً في لفتةٍ إنسانيةٍ كريمةٍ تنمّ عن أصالةٍ وسموّ أخلاق. فقد كانت قد قرأت مقالاً كتبته عن حلقة بودكاست مع المخرجة والصديقة امتياز المغربي، كانت ضيفتها فيه الدكتورة ليلى غنّام. يومها لفتني في حديثها ما يندر أن نجده في كثير من المسؤولين: عفوية صادقة، وبساطة آسرة، وتواضع يسبق الكلمات. وأكثر ما بقي عالقاً في ذاكرتي تلك اللمعة الصادقة في عينيها وهي تتحدث عن طفولتها، وعن ابنة أختها الصغيرة “ليلى”، وعن المسؤولية الكبيرة التي تحملها على عاتقها بوصفها محافظةً لمدينة رام الله والبيرة. في تلك اللحظات شعرت أن المنصب، مهما كان كبيراً، لا يمكن أن يغيّر جوهر الإنسان حين يكون القلب صادقاً والروح متواضعة.
كانت كلماتها في تلك المكالمة مليئة باللطف والتقدير، حيث شكرتني على المقال، وكان ذلك الموقف وحده كافياً ليكشف عن شخصية قيادية تدرك قيمة الكلمة وتقدّر الجهد الثقافي والفكري. فالمسؤول الحقيقي، كما أدركت من حديثها، ليس مجرد صاحب منصب، بل إنسان يعيش يومياً تحديات كبيرة، خاصة حين تكون امرأة فلسطينية تحمل مسؤولية وطنية في واقعٍ معقدٍ ومليء بالصعوبات.
ومرت الأيام، وكنت قد سافرت إلى جمهورية مصر العربية للمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب بكتابي “بصمات في الحياة”. حينها وعدت الدكتورة ليلى بأن أزور مكتبها عند عودتي إلى الوطن لأتشرف بلقائها والتعرف إليها عن قرب. وبالفعل، ما إن عدت حتى قمت بزيارتها، وكانت تلك الزيارة لحظة إنسانية جميلة أكدت لي أن ما يظهر في الإعلام من تواضعها وبساطتها ليس إلا جزءاً صغيراً من حقيقتها الإنسانية.
وجدتها كما توقعتها، بل وأكثر؛ إنسانةً ذات روح طيبة، ووجهٍ يفيض بالابتسامة رغم ثقل المسؤوليات وكثرة الأعباء. تستقبل الجميع بمحبة، وتمنح كل من يقابلها شعوراً بالاحترام والاهتمام، وكأنها تقول بصمتٍ إن القيادة الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان.
وكانت سعادتي كبيرة عندما أهديتها نسخة من كتابي “بصمات في الحياة”، إلا أن المفاجأة الأجمل كانت تلك اللفتة الكريمة التي لن أنساها؛ إذ قامت الدكتورة ليلى بتكريمي بالكوفية الفلسطينية ودرع “البصمة الفلسطينية” تقديراً لعطائي وإسهامي الإبداعي والثقافي. في تلك اللحظة شعرت بمعنى خاص لهذا التكريم؛ فمع أنني تشرفت بتكريمات في مصر والأردن، إلا أن التكريم في الوطن يحمل طعماً مختلفاً، كأنه دفء الأرض التي نشأنا عليها، واعترافٌ صادق من المكان الذي ننتمي إليه.
ذلك التكريم لم يكن مجرد درعٍ أو كوفية، بل كان رسالة تقدير من امرأة فلسطينية قيادية تؤمن بقيمة الثقافة والكلمة، وتدرك أن الإبداع جزء من معركة الوعي والبقاء. ولهذا شعرت أن تلك اللحظة كانت واحدة من أجمل اللحظات في مسيرتي الثقافية.
إن الدكتورة ليلى غنّام ليست مجرد مسؤولة تشغل منصباً إدارياً، بل نموذج للمرأة الفلسطينية القادرة على الجمع بين القوة والإنسانية، بين الحزم والرحمة، وبين المسؤولية والتواضع. امرأة تثبت كل يوم أن القيادة ليست سلطةً فحسب، بل رسالة أخلاقية وإنسانية.
ولهذا أقول بكل فخر وامتنان:
حقاً إنما الإنسان أثر،
وأثركِ يا دكتورة ليلى أثرٌ جميل، وبصمة مشرقة نفتخر بها.
فنحن في فلسطين نعتز بوجود نساءٍ قياديات مثلك، يكتبن حضورهن في صفحات الوطن لا بالحبر فقط، بل بالفعل والإنسانية والوفاء.
كل الاحترام والتقدير للدكتورة ليلى غنّام…
ولكل بصمةٍ فلسطينيةٍ تُضيء الطريق.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .