
الصحافة تحت النار… حين تتحوّل الكاميرا إلى هدف ، مقال تحليلي بقلم: سامي إبراهيم فودة
في الحروب التقليدية، يكون الصحفي شاهدًا على الحدث.
أما في غزة، فقد أصبح الحدث نفسه.
منذ اندلاع العدوان الواسع على القطاع، لم تعد المخاطر التي تهدد الصحفيين مجرد أخطار جانبية ناجمة عن بيئة حرب، بل تحوّلت إلى نمط استهداف متكرر ومنهجي، يطرح سؤالًا خطيرًا:
هل أصبح الصوت الذي يوثّق الجريمة أخطر على مرتكبها من الجريمة ذاتها؟
وفق القانون الدولي الإنساني، يُعدّ الصحفي مدنيًا يتمتع بالحماية الكاملة. وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة التزام قانوني وأخلاقي على جميع الأطراف. كما تشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أن استهداف الصحفيين يشكل انتهاكًا جسيمًا لاتفاقيات جنيف.
لكن في غزة، تتكسر النصوص أمام الواقع.
أولًا: بيئة استهداف لا بيئة تغطية
الصحفي في غزة لا يعمل في مساحة اشتباك تقليدية يمكن تحديد خطوطها.
القصف يمتد إلى المنازل، والمستشفيات، ومراكز الإيواء، وحتى الطرقات التي تُعتبر “آمنة” مؤقتًا. هذا الاتساع في نطاق الاستهداف يجعل من أي مهمة صحفية مخاطرة مفتوحة، حيث لا توجد مناطق خضراء واضحة.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في القصف، بل في تكراره.
الضربة الثانية – التي تستهدف فرق الإسعاف والمتجمهرين – أصبحت نمطًا معروفًا، ما يضع الصحفي أمام معادلة أخلاقية ومهنية معقدة: هل يقترب لينقل الحقيقة؟ أم يتراجع حفاظًا على حياته؟
ثانيًا: انهيار منظومة الحماية
في الظروف الطبيعية، تعتمد السلامة المهنية على ثلاثة أركان:
تجهيزات وقائية
تدريب ميداني
دعم مؤسسي وتأمين
لكن في غزة، حيث البنية التحتية منهارة، والاتصالات متقطعة، والمؤسسات الإعلامية نفسها مستهدفة، يصبح تطبيق هذه المعايير تحديًا شبه مستحيل.
تقارير مراسلون بلا حدود تشير إلى أن النزاعات غير المتكافئة غالبًا ما تشهد ارتفاعًا غير مسبوق في أعداد الضحايا من الصحفيين، خاصة عندما تكون الحرب مصحوبة ببيئة إفلات من العقاب.
وهنا يكمن جوهر الأزمة:
عندما يغيب الردع القانوني، يتحول الصحفي إلى هدف سهل.
ثالثًا: البعد النفسي… الجبهة الصامتة
الخطر لا يتوقف عند الإصابة الجسدية.
الصحفي الذي يغطي المجازر يوميًا، ويصوّر أشلاء الأطفال، ويعود إلى منزله المهدد بالقصف في أي لحظة، يعيش حالة استنزاف نفسي عميق.
اضطراب ما بعد الصدمة، فقدان الإحساس بالأمان، القلق المزمن… كلها آثار تتراكم بصمت.
وفي بيئة لا تتوفر فيها خدمات دعم نفسي متخصصة، يبقى الصحفي وحيدًا في مواجهة ذاكرته.
رابعًا: معضلة المهنية تحت النار
ثمة سؤال أخلاقي يفرض نفسه:
كيف يحافظ الصحفي على معايير الدقة والحياد بينما هو نفسه ضحية محتملة؟
الصحفي الغزي ليس مراسلًا أجنبيًا يعود إلى فندق آمن بعد التغطية.
هو ابن الحي، وبيته مهدد، وأسرته تحت الخطر.
هذا التداخل بين الشخصي والمهني يخلق ضغطًا مضاعفًا، لكنه في الوقت ذاته يمنح التغطية صدقًا إنسانيًا نادرًا.
خامسًا: ما المطلوب؟
توثيق منهجي لكل انتهاك بحق الصحفيين تمهيدًا للمساءلة القانونية الدولية.
توفير دعم نفسي مستمر للصحفيين العاملين في مناطق النزاع.
تعزيز التدريب على الإسعاف الميداني والسلامة الشخصية.
ضغط دولي فعلي لتفعيل آليات الحماية المنصوص عليها في القانون الدولي.
خاتمة
في غزة، لا يحمل الصحفي سلاحًا.
يحمل كاميرا…
وربما يحمل اسمه مكتوبًا على كفنه.
ومع ذلك، يخرج كل صباح ليقول للعالم:
هنا الحقيقة.
الصحافة في غزة ليست مهنة فقط، بل شهادة وجود.
وكل عدسة تفتح على الركام هي إعلان أن الجريمة لن تمرّ بلا شاهد.
إن حماية الصحفيين اليوم ليست دفاعًا عن أفراد، بل دفاع عن حق العالم في أن يرى.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .