1:46 صباحًا / 4 مارس، 2026
آخر الاخبار

وداعًا فارس الإعلام… أبو شفيق الذي عاش للوطن… وعاش الوطن في بيته ، بقلم : سامي إبراهيم فودة

وداعًا فارس الإعلام… أبو شفيق الذي عاش للوطن… وعاش الوطن في بيته ، بقلم : سامي إبراهيم فودة


حين نكتب عن هشام ساق الله (أبو شفيق)،
فنحن لا نرثي صحفيًا فقط،
ولا نؤبّن مناضلًا عابرًا في سجل الأيام،
بل نوثق سيرة رجلٍ كانت حياته نصًا مفتوحًا على فلسطين…
وكان بيته الصفحة الأصدق في هذا النص.
الجذور الأولى… من حيّ الدرج إلى رحاب الوعي
وُلد هشام شفيق محمد ساق الله في مدينة غزة، في حيّ الدرج، حيث تختلط رائحة التاريخ بوجع الحاضر.
درس في مدرسة صلاح الدين الابتدائية، ثم الهاشمية الإعدادية، وأكمل الثانوية في مدرسة يافا للبنين، قبل أن يلتحق عام 1982 بالجامعة الإسلامية في غزة، دارسًا المحاسبة.
لكن أرقامه لم تشغله عن حساب الوطن.
كان من المؤسسين الأوائل في حركة الشبيبة الفتحاوية، ومن أبناء حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الذين حملوا الانتماء مسؤولية لا شعارًا.
وكان أحد أعمدة نادي غزة الرياضي، وفيًا لبيته الأول، مؤمنًا أن الرياضة تبني الإنسان كما تبنيه الكلمة.
الصحافة عنده… عقيدة
مع الانتفاضة الأولى 1987، دخل ميدان الصحافة متطوعًا.
لم ينتظر وظيفة ولا راتبًا، بل رأى في الكلمة جبهة مقاومة.
أنشأ لاحقًا مجموعات توزيع إلكترونية، وأصدر نشرته اليومية “الراصد للتوثيق والإعلام” ست سنوات كاملة، مؤرشفًا تفاصيل الحياة السياسية والوطنية، بجرأة لا تعرف المجاملة.
كتب عن الفلتان،
وكتب عن الانقسام،
وحمّل الجميع المسؤولية.
أغضب كثيرين،
لكنّه لم يغضب ضميره يومًا.
المرض لم يُقعده… والكرسي لم يُقيّده
أقعده المرض على كرسي كهربائي،
لكنّه ظل يجوب غزة من عزاء إلى فعالية، ومن لقاء وطني إلى زيارة مريض.
كان يقول بفعله قبل قوله:
الإرادة أقوى من الجسد.
البيت… حيث القلب الحقيقي
لكن خلف هذا المناضل الصلب،
كان هناك بيتٌ نابض بالحب.
كان زوجًا صابرًا، شريكًا حقيقيًا في رحلة الكفاح والمرض والحصار.
وكان أبًا حنونًا، يرى في أولاده مشروع حياته الحقيقي.
أبناؤه:
يافا – الاسم الذي اختاره بعشقٍ لمدينةٍ تسكن الوجدان،
شفيق – الامتداد الحي لاسم العائلة وتاريخها،
مريم – رقة القلب ودفء البيت،
محمود – الأمل الذي كان يراه يكبر أمام عينيه.
لم يكونوا مجرد أسماء…
بل كانوا عالمه الخاص، وملاذه حين يثقل الوطن على كتفيه.
حين دُمّر برج الظافر (4) عام 2014، وقُصفت شقته في 23 أغسطس، تشتتت الأسرة بين البيوت.
سكن هو في بيت شقيقته ببرج الصحافيين الفلسطينيين،
وأبناؤه في بيت والده،
حتى جمعهم الله من جديد في بيت إخوته يوم عيد الأضحى.
كان الألم مضاعفًا عليه:
أبٌ يرى بيته يُهدم،
وأسرة تتفرق،
وجسدٌ مثقل بالمرض…
لكنّه لم يتوقف عن الكتابة،
كأنما كان يحمي أولاده بالكلمة كما يحميهم الأب بساقيه.
في الحرب الأخيرة… اختار البقاء
خلال العدوان الأخير،
رفض النزوح.
قال إن البقاء موقف،
وإن الصمود رسالة.
كان يطمئن على أصدقائه ورفاقه،
يسأل عن الجميع،
ويخفي وجعه ليبقى قويًا أمام أسرته وأحبته.
رحيلٌ… وبيتٌ ممتد في الذاكرة
اليوم، ونحن نودعه،
لا نودّع رجلًا فقط،
بل نودّع أبًا ترك في أبنائه جزءًا من روحه،
وزوجًا ترك في بيته سيرةً من الصبر،
وصحفيًا ترك في أرشيف الوطن شهادةً لا تمحى.
يا أبا شفيق…
كنت كبيرًا في الميدان،
وأكبر في البيت.
رحمك الله رحمةً تليق بقلبك،
وألهم زوجتك وأبناءك: يافا، شفيق، مريم، ومحمود، الصبر والثبات،
وجعلهم امتدادًا لاسمٍ لم ينحنِ يومًا.
ستبقى فينا…
صديقًا،
وزميلًا،
وأخًا،
وأبًا في ذاكرة وطن.
صديقك الذي عرفك عن قرب
سامي إبراهيم فودة”أبو الأديب”

شاهد أيضاً

استطلاع CGTN: الموضوعات الرئيسية التي تستحق التركيز عليها في "الدورتين السنويتين" للصين

استطلاع CGTN: الموضوعات الرئيسية التي تستحق التركيز عليها في “الدورتين السنويتين” للصين

شفا – يشهد الوضع الدولي الحالي أعمق تحول له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي …