6:34 مساءً / 28 مارس، 2026
آخر الاخبار

بين الاستسلام والتسوية: أيُّ طريقٍ لإيران في زمن الحرب؟ بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

بين الاستسلام والتسوية: أيُّ طريقٍ لإيران في زمن الحرب؟ بقلم : د. عبدالرحيم جاموس


في خضمّ التصعيد العسكري المتسارع، يطفو على السطح سؤالٌ بالغ الحساسية: هل من المناسب أن تُعلن إيران الاستسلام، وتقبل الشروط الأمريكية، وتباشر تحوّلًا سياسيًا داخليًا جذريًا خلال أشهر قليلة؟ أم أن هذا الطرح، رغم ما يبدو فيه من واقعية براغماتية، يتجاهل تعقيدات السيادة والتوازنات الداخلية والإقليمية؟


المقارنة التي تُستحضر غالبًا هي تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. غير أن السياقين مختلفان جذريًا. اليابان عام 1945 كانت قد تلقت ضربات نووية في هيروشيما وناغازاكي، وتعرضت لهزيمة عسكرية ساحقة، وتقبّلت استسلامًا غير مشروط تحت الاحتلال. أما إيران اليوم، فرغم الضغوط والعقوبات والمواجهات غير المباشرة، لم تُهزم هزيمة شاملة، ولم تخضع لاحتلال مباشر، وما تزال تحتفظ بمؤسسات دولة فاعلة وقدرات عسكرية وأمنية معتبرة.


طرح “الاستسلام” في الحالة الإيرانية يعني عمليًا قبول شروط خارجية قد تشمل قيودًا استراتيجية بعيدة المدى، وربما إعادة هندسة النظام السياسي والأمني. مثل هذا الخيار قد يحقق مكسبًا فوريًا يتمثل في وقف العمليات العسكرية وتخفيف العقوبات، لكنه يحمل في المقابل مخاطر عميقة. فالتغيير السياسي الذي يُفرض من الخارج غالبًا ما يفتقر إلى الشرعية الداخلية، وقد يُفضي إلى انقسامات حادة أو اضطرابات أمنية، خصوصًا إذا مسّ مؤسسات نافذة مثل الحرس الثوري.


في المقابل، استمرار الحرب ليس خيارًا بلا كلفة. مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران قد تتجاوز حدود البلدين لتطال الخليج والعراق وبلاد الشام، وتؤثر في أسواق الطاقة والتجارة العالمية. التاريخ القريب يبيّن أن الحروب في الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى محصورة، وأن كلفتها الإنسانية والاقتصادية قد تمتد لعقود.


التجربة في العراق بعد 2003 تقدم مثالًا معقدًا على صعوبة بناء نظام سياسي مستقر في ظل تدخل خارجي مباشر. ورغم اختلاف الظروف، فإن الدرس الأبرز هو أن التحولات السياسية المستدامة تحتاج إلى توافق داخلي وتدرج مؤسسي، لا إلى جداول زمنية مفروضة تحت ضغط السلاح.


من هنا، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية لا يتمثل في “استسلام غير مشروط” ولا في “مواجهة حتى النهاية”، بل في مسار ثالث يقوم على ثلاثة مرتكزات:
أولًا، وقف فوري للتصعيد عبر وساطات دولية أو إقليمية تضمن خفض التوتر ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
ثانيًا، إطلاق مفاوضات مرحلية تتناول الملفات الأمنية والنووية والإقليمية ضمن مقاربة تبادلية، تحفظ ماء وجه جميع الأطراف.


ثالثًا، فتح نقاش داخلي إيراني حول الإصلاح السياسي وتوسيع المشاركة والمساءلة، بوصفه خيارًا سياديًا ينبع من الداخل لا استجابة لإملاءات الخارج.


إن تجربة اليابان لم تكن مجرد استسلام أعقبه ازدهار تلقائي، بل كانت مشروع إعادة بناء وطني طويل الأمد، توافر له سياق دولي خاص ودعم اقتصادي ضخم. القياس الميكانيكي على تلك التجربة يغفل اختلاف البيئة الجيوسياسية والداخلية.


في النهاية، المسألة ليست اختبارًا للكرامة أو للمكابرة، بل معادلة دقيقة بين حماية السيادة وتقليل الخسائر وفتح أفق سياسي أفضل. القرار – أيًا كان – يجب أن يُقاس بقدرته على إنقاذ الأرواح، وتجنب دمار طويل الأمد، وتمكين الشعب الإيراني من تقرير مستقبله بعيدًا عن فوهات المدافع.


بين الاستسلام والمواجهة مساحة واسعة اسمها “التسوية السياسية”، وربما تكون هي الطريق الأقل كلفة في زمن النار.
د. عبالرحيم جاموس

شاهد أيضاً

استشهاد الصحفيين علي شعيب وفاطمة فتوني بغارة إسرائيلية جنوب لبنان

استشهاد الصحفيين علي شعيب وفاطمة فتوني بغارة إسرائيلية جنوب لبنان

شفا – استشهاد صحفيين في استهداف جيش الاحتلال مركبة تضم إعلاميين وصحفيين جنوب لبنان. وأعلنت …