12:10 صباحًا / 2 مارس، 2026
آخر الاخبار

رفوف المتاجر تحت حصار القلق ، تخزين الأغذية… قلقٌ مشروع أم اندفاعٌ انفعالي؟ بقلم : أ. مروة معتز زمر

رفوف المتاجر تحت حصار القلق ، تخزين الأغذية… قلقٌ مشروع أم اندفاعٌ انفعالي؟ بقلم : أ. مروة معتز زمر

(قراءة نفسية في سلوك العقل تحت التهديد)
بسم الله الرحمن الرّحيم

في كل مرة يمر فيها العالم بمرحلة اضطراب سياسي أو اقتصادي، يظهر سلوك متكرر في المجتمعات المختلفة: تسارع ملحوظ نحو تخزين الأغذية والسلع الأساسية.


هذا المشهد لا يمكن قراءته بوصفه مجرد ظاهرة استهلاكية، بل هو مؤشر نفسي ـــــ اجتماعي غني بالدلالات.


فحين تتزايد الأخبار المقلقة، لا تتجه الأنظار إلى التحليلات فقط، بل إلى رفوف المتاجر أيضاً فتمتلئ العربات بسرعة، وتبدأ بعض السلع في الاختفاء، ويتحوّل الفعل الفردي إلى ظاهرة جماعية خلال وقت قصير هنا يبرز سؤال مركزي:
هل نحن أمام استجابة وقائية عقلانية؟ أم أمام اندفاع انفعالي تقوده منظومة القلق الجمعي؟


الإجابة الدقيقة تتطلب فهماً أعمق لما يحدث داخل الإنسان، وليس الاكتفاء بملاحظة السلوك الخارجي.


قبل أن نحاكم السلوك، علينا أن نفهم الجهاز الذي ينتجه، فالدماغ البشري مصمم تطورياً على مبدأ بسيط: الأمان أولاً… والتفكير لاحقاً.


فالسلوك الظاهر هو المرحلة الأخيرة من سلسلة عمليات داخلية معقدة تبدأ في الدماغ خلال أجزاء من الثانية.
الدماغ البشري يعمل وفق أولوية تطورية واضحة: حماية البقاء تأتي قبل أي معالجة عقلانية متأنية هذه ليست مبالغة، بل نتيجة مسار تطوري طويل جعل أنظمة الإنذار العصبي أسرع وأكثر نفوذاً من أنظمة التفكير التحليلي.


عندما يلتقط الدماغ إشارات تهديد سواء كانت معلومات عن حرب، اضطراب اقتصادي، نقص محتمل في الموارد، أو حتى شائعة متكررة تنشط بنية عصبية مركزية هي اللوزة الدماغية؛ دورها الأساسي هو المسح السريع للمخاطر المحتملة، هذه البنية لا تنتظر تحقق الخطر يقيناً؛ يكفي الاشتباه المعقول حتى تبدأ الاستجابة.


في هذه اللحظة يبدأ ما يمكن تسميته إعادة توزيع الأولويات داخل الجهاز العصبي:


يرتفع إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، كما يزداد مستوى اليقظة الجسدية والانتباه للخطر، وينخفض نسبياً نشاط القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التخطيط المتزن والتقييم المنطقي.
النتيجة ليست فقدان التفكير، بل تغير نمط التفكير، يصبح العقل أكثر حساسية للمخاطر وأقل ميلاً لتحليل الاحتمالات بهدوء.


لكن… وهنا تبدأ المنطقة الحساسة، هل كل استجابة خوف هي استجابة حكيمة؟


لنكن منصفين: ليس كل من ملأ خزانته الغذائية واقعاً تحت سطوة الهلع، هناك ظروف يصبح فيها التخزين تصرفاً وقائياً منطقياً، بل ومسؤولاً، ومن مؤشرات القلق المشروع:


وجود تهديد واقعي واضح أو اضطراب في سلاسل الإمداد.
شراء كميات معقولة متناسبة مع حجم الأسرة.
التخطيط المسبق الهادئ دون اندفاع أو فوضى.
مراعاة احتياجات الآخرين وعدم الاحتكار.
في هذه الحالة، يعمل العقل التنفيذي “الجزء المسؤول عن التخطيط” جنباً إلى جنب مع جهاز الإنذار هنا لا يقود الخوف السلوك، بل يرشده فقط.


وهذا فارق بالغ الأهمية، فالخوف في ذاته ليس عدواً، الخوف غير المُدار هو المشكلة.


متى يتحول الأمر إلى اندفاع انفعالي؟
تظهر بعض العلامات الدالة على الاندفاع الانفعالي:
شراء كميات تفوق الحاجة الواقعية بكثير.
التسرع والارتباك داخل المتجر.
التفكير الكارثي المبالغ فيه.
تبرير السلوك بعبارات مثل: الجميع يفعل ذلك.


في هذه المرحلة، يصبح القرار أقل ارتباطاً بالمعطيات الموضوعية وأكثر تأثراً بما يسمى في علم النفس بعدوى السلوك الجمعي هنا لا يعود القرار فردياً خالصاً، بل يصبح مشحوناً بإشارات البيئة المحيطة.
الإنسان كائن اجتماعي شديد الحساسية لإشارات الآخرين وحين يشعر بالغموض، يميل لاستخدام ما يسمى في علم النفس “الدليل الاجتماعي” أي أن ينظر لما يفعله الناس ليحدد ما يجب أن يفعله هو.
رفّ فارغ واحد قد يوقظ القلق، خمسة رفوف فارغة قد تشعل الذعر، وهنا تعمل عدة آليات نفسية في آن واحد:
الدليل الاجتماعي عندما يلاحظ الفرد أن الآخرين يشترون بكثافة، يفترض ضمنياً أن لديهم معلومات مقلقة، فيزيد احتمال تقليدهم.


وهم الندرة ظهور رفوف شبه فارغة يرفع إدراك قيمة السلعة ويعزز الشعور بالإلحاح، حتى لو كان النقص مؤقتاً.
انحياز التهديد العقل تحت الضغط يعطي وزناً أكبر لأسوأ الاحتمالات مقارنة بالسيناريوهات المتوازنة.
البحث عن استعادة التحكم في الأزمات الواسعة، يشعر الفرد بانخفاض قدرته على التأثير في الأحداث الكبرى، فيلجأ إلى أفعال صغيرة تمنحه إحساساً مؤقتاً بالسيطرة، مثل زيادة المخزون المنزلي.


هذه الآليات مجتمعة تفسر السرعة التي يتحول بها القلق الفردي إلى موجة سلوكية جماعية.
ولكن أين تنتهي الوقاية ويبدأ الجشع؟ هنا ندخل المنطقة الأكثر حساسية.
السلوك البشري تحت التهديد يكشف طبقات الشخصية بوضوح لافت فحين تضيق الموارد أو (يُعتقد أنها ستضيق) يظهر السؤال الأخلاقي كم يكفيني… وكم يحق لي؟ التخزين المعقول يحمي الأسرة، لكن التكديس المفرط قد يحرم أسراً أخرى.


المفارقة المؤلمة أن كثيراً من الناس لا يرون أنفسهم أنانيين أثناء الاندفاع، فالدماغ القلق يعيد صياغة السلوك أخلاقياً بمهارة مدهشة:


أنا فقط أؤمّن أسرتي، الوضع غير مطمئن، من الأفضل أن أحتاط.


ومن المهم التأكيد أن معظم الأفراد في هذه اللحظات لا يشعرون بأنهم فقدوا توازنهم، من داخل التجربة، يبدو السلوك مبرراً ومنطقياً؛ السبب أن الدماغ تحت التهديد يعيد تفسير المعطيات بطريقة تعطي وزناً أكبر لأسوأ الاحتمالات، وهي آلية معروفة بانحياز التهديد.


وهكذا يتحول السلوك الفردي (دون نية شريرة صريحة) إلى ضغط جمعي على السوق والمجتمع؛ ليس لأن الناس فقدوا ضميرهم.. بل لأن الخوف حين يرتفع، يضيق مجال الرؤية الأخلاقية مؤقتاً.


السؤال الأهم ليس من المخطئ؟ بل: كيف نستعيد توازن التفكير حين يرتفع منسوب القلق؟
هناك خطوات نفسية عملية تساعد على إعادة تشغيل العقل التحليلي:


أولاً: سمِّ ما تشعر به عندما يكون القلق غير مُسمّى يتحول بسهولة إلى اندفاع، لكن حين تقول بوضوح: أنا قلق… يبدأ الدماغ التنفيذي بالعودة تدريجياً.
ثانياً: اسأل سؤال النسبة ما حجم التهديد الحقيقي؟ وما حجم استجابتي له؟


هذا السؤال وحده يعيد كثيراً من الناس من حافة المبالغة.


ثالثاً: راقب سلوك القطيع داخلك حين تسمع نفسك تقول: الجميع يشتري… توقف لحظة، هذا بالضبط هو الوقت الذي تحتاج فيه للتفكير الفردي.


رابعاً: ضع سقفاً رقمياً مسبقاً، فالقرارات المسبقة الهادئة تحميك من قرارات اللحظة المشحونة.
خامساً: احمِ جهازك العصبي من الإغراق الإخباري، العقل المرهق يرى الخطر أكبر مما هو عليه غالباً.
من المهم هنا تفكيك فكرة شائعة:


الهدوء في زمن القلق لا يعني إنكار الواقع، الإنسان المتزن ليس هو من يغلق عينيه عن المخاطر، ولا هو من يفتح خزانته بلا حساب، بل هو ذاك الذي يوازن بين صوتين داخليين: صوت الحذر، وصوت الحكمة.. المشكلة تبدأ حين يعلو أحدهما حتى يُسكت الآخر.
أنت في الأزمة… جزءٌ منها


هنا نقطة محورية غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش العام فكثير من الأفراد ينظرون إلى الأزمة بوصفهم متأثرين بها فقط، لا مساهمين في تضخيمها لكن في الظواهر الجمعية، السلوك الفردي المتكرر يصنع النتيجة الكلية.


عندما يقوم عدد كبير من الناس بشراء كميات تفوق حاجتهم الفعلية، يحدث تأثير تراكمي يؤدي إلى:


ضغط مفاجئ على سلاسل التوريد.
تسارع اختفاء بعض السلع من الرفوف.
ارتفاع مستوى القلق لدى بقية المتسوقين.
دخول مزيد من الأفراد في دائرة الشراء الاندفاعي.


بهذا المعنى، قد يتحول السلوك الوقائي الفردي ” إذا تضخم وانتشر” إلى عامل مساهم في خلق الشعور بالأزمة أو تعميقها.


السؤال المهم الذي يستحق التأمل: هل أتصرف استجابةً للأزمة فقط… أم أن سلوكي، مع سلوك غيري، يساهم في توسيع أثرها؟


هذا السؤال لا يهدف إلى اللوم، بل إلى توسيع الوعي بالمسؤولية النفسية والاجتماعية للفرد داخل المنظومة.


ما يحدث في رفوف المتاجر هو مؤشر سلوكي معقد يعكس تفاعل عوامل عصبية ونفسية واجتماعية في آن واحد بعض التخزين قد يكون مبرراً، لكن تحوله إلى موجة اندفاعية واسعة يمكن أن يساهم في تضخيم الإحساس بالأزمة.
الفكرة المحورية التي تستحق الانتباه هي أن الفرد في الأزمات الجماعية ليس مراقباً محايداً بالكامل، بل جزء من الدينامية التي تشكل المشهد العام.


السؤال الذي يستحق أن يبقى حاضراً لدى كل فرد:


هل قراري الحالي يستند إلى تقييم متزن للواقع أم أنه استجابة متسارعة لنظام إنذار داخلي مرتفع؟
الوعي بهذه اللحظة الفاصلة هو الخطوة الأولى نحو سلوك أكثر توازناً، وأكثر مسؤولية، وأكثر حماية للفرد والمجتمع معاً.

شاهد أيضاً

اسرائيل تستدعي 100 ألف جندي احتياط

شفا – أعلن الجيش الإسرائيلي استدعاء ما يقارب 100 ألف جندي احتياط لتعزيز الجاهزية في …