
بوصلة تائهة .. ، بقلم : محمد علوش
في اللحظات المفصلية تنكشف الخطابات، وتختبر صدقية المواقف بعيداً عن البلاغة العالية والشعارات الجاهزة، وما نشهده اليوم من تصريحات صادرة عن بعض قيادات حركة “فتح”، تتضمّن إطراءً وإشادةً بحركة “حماس”، يطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة هذا التحوّل المفاجئ، وحول الدوافع الكامنة خلفه في هذه اللحظة المنكشفة من تاريخ القضية الفلسطينية.
لسنوات طويلة، لم يكن الخلاف بين الحركتين تفصيلاً عابراً، بل انقساماً عميقاً ترك أثره السياسي والاجتماعي في الجغرافيا الفلسطينية، وألقى بظلاله الثقيلة على المشروع الوطني برمّته، وقد تبادلت القيادات الاتهامات، وتراكم خطاب التخوين والتشكيك، حتى بدا المشهد وكأنه صراع سرديّات، لا مجرد اختلاف برامج، فما الذي تغيّر اليوم حتى نسمع نبرة مغايرة تصل أحياناً إلى حدود الإشادة غير المشروطة؟
ليست المشكلة في الدعوة إلى الوحدة الوطنية؛ فهي ضرورة ملحّة وهدف جامع لا خلاف عليه، غير أنّ الإشكال يكمن في الانتقال الفجّ من خطاب إلى نقيضه من دون مراجعة نقدية صريحة، أو مصارحة للرأي العام بأخطاء الماضي، فعندما تتحوّل السياسة إلى محاولة لتبييض الصفحات عبر عبارات المديح العاطفي، فإنها تفقد اتساقها، وتبدو أقرب إلى مناورة ظرفية منها إلى قناعة راسخة.
إن ضياع البوصلة لا يظهر فقط في تبدّل النبرة، بل في غياب رؤية واضحة لكيفية إدارة التباينات داخل البيت الفلسطيني، فالوحدة الوطنية لا تبنى على المجاملات، ولا تصان بعبارات الثناء المتأخرة، بل تقوم على برنامج وطني جامع، وشراكة حقيقية في القرار، واعتراف متبادل بالأخطاء، أمّا التخبط في المواقف والآراء فيضعف ثقة الشارع، ويعمّق فجوة الإحباط بين المواطن والقيادة.
اللحظة الراهنة لحظة مكاشفة لا تحتمل التجميل، فالشعب الفلسطيني، الذي دفع أثمان الانقسام من قوته اليومي ومستقبله السياسي، لا يبحث عن خطاب متقلّب، بل عن وضوح في الرؤية وثبات في الموقف، وإنّ الإشادة بحركة كانت، حتى الأمس القريب، تحمّل مسؤولية الإخفاقات، من دون تفسير مقنع لهذا التحوّل، توحي بارتباك أكثر مما تعكس نضجاً سياسياً.
ليست القضية في من يمدح من، بل في صدقية المشروع الوطني ذاته، فالتاريخ لا يمحى بالتصريحات، ولا يعاد تشكيله بعبارات الإطراء، والمطلوب اليوم مراجعة جادّة تعترف بالمسؤوليات، وتؤسّس لخطاب سياسي متماسك لا يتبدّل بتبدّل الرياح، وعندها فقط يمكن القول إن البوصلة عادت إلى اتجاهها الصحيح، وإن الوحدة ستبقى خياراً استراتيجياً لا تكتيكاً عابراً.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .