12:26 صباحًا / 26 مارس، 2026
آخر الاخبار

عندما تدار الدولة على حافة المستحيل: قراءة في مهنية الحكومة الفلسطينية وحماية الحقوق العامة ، بقلم : د. عماد سالم

عندما تدار الدولة على حافة المستحيل: قراءة في مهنية الحكومة الفلسطينية وحماية الحقوق العامة ، بقلم : د. عماد سالم


تمرّ الحكومة الفلسطينية اليوم بلحظة فارقة في تاريخ العمل العام، لحظة لا تُقاس فيها السياسات بقدرتها على التوسّع، بل بقدرتها على منع الانهيار، وحماية ما تبقّى من ركائز الدولة، وصون الحقوق العامة في بيئة استنزاف مفتوح. إنها مرحلة تُدار فيها الدولة تحت ضغط غير مسبوق، سياسياً ومالياً وميدانياً، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع استهداف مباشر لفكرة السلطة والمشروع الوطني برمّته.

في هذا السياق الاستثنائي، تبرز حكومة دولة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى بوصفها حكومة إدارة مسؤولية وطنية قصوى، لا حكومة وعود سهلة أو شعارات استهلاكية. حكومة تعمل في ظروف كان من الطبيعي، وفق كل المعايير الاقتصادية، أن تقود إلى انهيار مالي شامل، ومع ذلك ما زالت المؤسسات قائمة، والخدمات الأساسية مستمرة، والرواتب – ولو جزئيًا – تُصرف.

المرحلة: دولة تعمل بلا شروط الدولة

ما يواجه الحكومة اليوم ليس أزمة سيولة عابرة، بل اختلالاً بنيوياً مركّبًا: احتجاز أموال المقاصة، تراجع المساعدات الخارجية، ارتفاع المديونية، تضخم الالتزامات الاجتماعية، وضغوط سياسية تستخدم المال كسلاح مباشر. الأخطر من ذلك أن هذه التحديات لا تُدار في سياق سيادي طبيعي، بل في ظل قيود قسرية تجعل كل قرار مالي قراراً سياسياً بامتياز.

ورغم هذا الواقع القاسي، اختارت الحكومة مسارًا مختلفًا: المصارحة بدل التهوين، وإدارة الضرر بدل إنكاره، وتحمل كلفة القرار بدل ترحيلها إلى المستقبل. وهو خيار صعب ومكلف، لكنه أكثر صدقًا، وأكثر احتراماً لوعي المواطن، وأكثر انسجامًا مع متطلبات الحفاظ على السلم المجتمعي.

الدكتور محمد مصطفى: قيادة الدولة بعقلية الخبير لا بمنطق الاستعراض

يقود دولة رئيس الوزراء الدكتورمحمد مصطفى الحكومة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية، بعقلية الخبير الاقتصادي الذي يعرف حدود الممكن، ويدرك خطورة القفز في المجهول. لم يتعامل مع الأزمة بوصفها ملفاً إعلامياً أو ظرفًا مؤقتاً، بل بوصفها تهديداً مباشراً لاستمرارية الدولة ومؤسساتها.

نهجه في القيادة يقوم على حماية التماسك المؤسسي، وتعزيز العمل الحكومي الجماعي، والاعتماد على الكفاءة المهنية لا على المجاملات السياسية، إضافة إلى الموازنة الدقيقة بين الضرورة المالية والعدالة الاجتماعية. هذا الأسلوب الهادئ، البعيد عن الخطاب الانفعالي، أسهم في تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، ومنع الانزلاق نحو فوضى مالية وإدارية كانت ستدفع كلفتها الفئات الأكثر هشاشة.

وزارة المالية والتخطيط: إدارة المستحيل بلغة الأرقام

جاء المؤتمر الصحفي لوزير المالية والتخطيط د. أسطيفان سلامة ليضع الرأي العام أمام حقيقة الوضع المالي دون مواربة، في واحدة من أكثر لحظات المكاشفة جرأة في تاريخ المالية العامة الفلسطينية.

الأرقام التي عُرضت كانت قاسية:
⦁ إيرادات محلية شهرية لا تتجاوز 400 مليون شيقل
⦁ خدمة دين عام تستهلك ما بين 250–300 مليون شيقل
⦁ المتبقي فعليًا لا يغطي سوى 10% من فاتورة الرواتب
⦁ ومع ذلك، تصرف الحكومة 60% من الراتب وبحد أدنى 2000 شيقل، بجهد بالغ الصعوبة وشبه مستحيل

هذه المعطيات تفسّر لماذا أكد الوزير أن استمرار عمل المؤسسات يمثل معجزة إدارية حقيقية، ولماذا شدد على أن عام 2026 سيكون الأصعب مالياً منذ قيام السلطة الوطنية، في ظل حصار خانق وإغلاق كل أبواب الحلول التقليدية.

لذلك وجب الاشادة بمهنية وزير المالية والتخطيط فذلك ليس من باب المجاملة، بل تعبيراً عن إدراك عميق بأن المهنية والانضباط المالي اليوم هما خط الدفاع الأخير عن فكرة الدولة نفسها.

حماية الحقوق: قرار سياسي وأخلاقي

من أهم الرسائل التي لا يجوز التقليل من شأنها، التأكيد الصريح على أن حقوق الموظفين العموميين المالية محفوظة ولن تُشطب بأي حال من الأحوال. هذا الموقف لا يُقرأ كتعهد مالي فقط، بل كقرار سياسي وأخلاقي يحمي العقد الاجتماعي، ويمنع تفكك الثقة بين الدولة وموظفيها.


كما أن الإعلان عن التوجه الجاد لاسترداد الأموال المنهوبة، والدعوة الصريحة لوقف التهرب الضريبي، يعكسان تحولاً مهماً في فلسفة إدارة المال العام، يقوم على تحميل المسؤولية للجميع، باعتبار أن الالتزام الضريبي في هذه الظروف لم يعد مسألة قانونية فحسب، بل ركيزة لبقاء الخدمات الأساسية للمواطنين.

المقاصة: المال كسلاح سياسي

حين يؤكد وزير المالية أن المقاصة معركة سياسية وليست فنية، فإن ذلك يضع الأزمة في إطارها الصحيح. فإسرائيل تستخدم المال أداة ضغط تهدف إلى إضعاف السلطة وتفريغها من مضمونها، عبر احتجاز الموارد وتهديد النظام المصرفي الفلسطيني. ورغم ذلك، لم تتعامل الحكومة مع هذا الواقع كذريعة للتراجع، بل كمعطى يجب إدارته بحذر، وبأقصى ما يمكن من تماسك داخلي.

إعادة تعريف النجاح الحكومي
في الظروف الطبيعية، تُقاس الحكومات بالمشاريع الكبرى ومعدلات النمو. أما في الواقع الفلسطيني الراهن، فإن النجاح الحقيقي يُقاس بمعايير مختلفة:
⦁ استمرار عمل المؤسسات العامة
⦁ الحفاظ على الرواتب ولو جزئياًً
⦁ حماية الحقوق وعدم التفريط بها
⦁ منع الانهيار المالي الشامل

وبهذا المعيار، فإن الحكومة الحالية، برئاسة الدكتورمحمد مصطفى وبدور محوري لوزارة المالية والتخطيط، تخوض معركة بقاء مؤسسي واعٍ ومسؤول، في واحدة من أصعب المراحل التي عرفها النظام المالي الفلسطيني.

ما تشهده فلسطين اليوم ليس أزمة مالية فقط، بل اختبار تاريخي لفكرة الدولة نفسها. وفي هذا الاختبار، تُظهر الحكومة الفلسطينية مستوى متقدماً من المهنية، وجرأة في المصارحة، واستعدادًا لتحمل كلفة القرار الصعب بدل الهروب منه أو تسويقه بلغة التبرير.

قد لا تكون هذه حكومة الوفرة، لكنها بلا شك حكومة تحمّلت مسؤولية اللحظة، ودافعت عن الحقوق، وحافظت على الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي، في زمن كان فيه الانهيار هو الخيار الأسهل، والأقل كلفة سياسيًا.

ما بعد 2026: من إدارة البقاء إلى إعادة بناء القدرة الوطنية

إذا كان عام 2026 مرشّحًا لأن يكون الأصعب ماليا ًفي تاريخ السلطة الوطنية، فإن ما بعده يجب ألّا يُدار بعقلية الانتظار أو ردّ الفعل، بل بعقلية إعادة بناء القدرة الوطنية على أسس جديدة. فالمرحلة المقبلة، مهما بلغت قسوتها، تفرض الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التحوّل: تحوّل في نموذج المالية العامة، وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي أولويات الإنفاق، وفي موقع الإنتاج الحقيقي داخل الاقتصاد الفلسطيني.

إن الحفاظ على استمرارية الدولة في هذه المرحلة لا يجب أن يكون غاية بحد ذاته، بل جسر عبور نحو إعادة تعريف دور السلطة: من سلطة مثقلة بالعجز إلى سلطة أكثر رشاقة، وأكثر شفافية، وأكثر قدرة على توجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة، وحماية الفئات الأضعف، وتعزيز الاعتماد على الذات قدر الإمكان.

وهنا، تصبح المهنية التي أظهرتها الحكومة الحالية، والخبرة الاقتصادية التي يقود بها رئيس الوزراء محمد مصطفى الفريق الحكومي، والانضباط المالي الذي تعمل عليه وزارة المالية والتخطيط، رأسمالًا سياسيًا وإداريًا لا يجوز التفريط به.

ما بعد 2026 لن يكون سهلًا، لكنه قد يكون ممكنًا إذا جرى تحويل هذه التجربة القاسية إلى درس وطني عميق: أن الدولة لا تُبنى في أوقات الرخاء فقط، بل تُختبر وتُعاد صياغتها في لحظات الشدّة. وفي هذا الامتحان، يبقى الرهان الحقيقي على إدارة رشيدة، وثقة متبادلة، وإرادة سياسية تضع بقاء المشروع الوطني فوق أي حسابات ضيقة.

  • – د. عماد سالم – خبير في التعليم والتنمية/السياسات العامة

شاهد أيضاً

الاتحادات الشعبية لمنظمة التحرير الفلسطينية في السويد تعقد لقاء عبر تقنية الزوم مع قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي

شفا – في إطار برنامج الاندماج والحفاظ على الهوية الوطنية، عقدت الاتحادات الشعبية لمنظمة التحرير …