3:24 مساءً / 6 فبراير، 2026
آخر الاخبار

نحو نظام اقتصادي دولي أكثر توازنًا ، بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

نحو نظام اقتصادي دولي أكثر توازنًا ، بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة إعادة تشكّل عميقة، لم تعد فيها القوة تُقاس فقط بحجم الناتج أو النفوذ العسكري، بل بقدرة الدول على بناء الشراكات، وإدارة الاعتماد المتبادل، وتقليل المخاطر في بيئة دولية مضطربة. ومع تصاعد التعددية القطبية، تتراجع تدريجيًا ملامح النظام القائم على التفرد، لصالح مشهد أكثر توازنًا وتعقيدًا في توزيع النفوذ الاقتصادي.


في هذا السياق، تبرز الاتفاقية التجارية والأمنية بين الاتحاد الأوروبي والهند بوصفها مؤشرًا دالًا على هذا التحول. فالتحالف الجديد لا يقتصر على تحرير التجارة وتوسيع الأسواق، بل يمتد إلى مجالات الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لترابط الاقتصاد بالأمن في عالم تتزايد فيه التحديات غير التقليدية.


اقتصاديًا، تسعى أوروبا إلى تنويع شراكاتها وتقليل اعتمادها الأحادي على السوق الأمريكية، خصوصًا في ظل سياسات حمائية متقلبة، واستخدام متكرر للأدوات الاقتصادية لأغراض سياسية. أما الهند، فترى في الشراكة الأوروبية فرصة لتعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية، وتسريع اندماجها في سلاسل القيمة العالمية، بما يعزز موقعها كقوة اقتصادية صاعدة ذات استقلالية متزايدة.


غير أن هذه التحولات لا تقتصر على أوروبا والهند فحسب، بل تشمل أيضًا العالم العربي، الذي يقف اليوم عند مفترق طرق مهم في موقعه ضمن النظام الاقتصادي الدولي. فقد تجاوزت العديد من الدول العربية دورها التقليدي كمصدّر للطاقة، لتصبح فاعلًا ماليًا واستثماريًا مؤثرًا، يمتلك فوائض سيادية، وبنية تحتية متقدمة، وشبكات علاقات متوازنة مع الشرق والغرب.


وخلال السنوات الأخيرة، انتهجت دول عربية، ولا سيما في الخليج، سياسة واضحة تقوم على تنويع الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية، عبر توسيع التعاون مع آسيا وأوروبا، دون القطيعة مع الولايات المتحدة.


هذا النهج البراغماتي يعكس قراءة واقعية لمشهد دولي متغيّر، يقوم على تقليل المخاطر وتعظيم هامش الحركة، لا على الاستقطاب الحاد.


كما برز الدور العربي المتنامي في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، مستفيدًا من الموقع الجغرافي، والاستقرار النسبي، والاستثمارات الكبيرة في الموانئ، والطاقة، والخدمات اللوجستية.


ومع تصاعد أهمية أمن الطاقة والغذاء والتجارة البحرية، تزداد مكانة المنطقة العربية بوصفها حلقة وصل محورية في الاقتصاد العالمي.


وفي موازاة ذلك، يتصاعد النقاش الدولي حول مستقبل الدولار، مع توجه بعض القوى إلى تنويع أدواتها النقدية وزيادة احتياطيات الذهب.
ورغم أن الدولار لا يزال يحتفظ بمكانته المركزية، فإن هذه التوجهات تعكس سعيًا عالميًا لتقليل المخاطر السياسية المرتبطة بالاعتماد الأحادي.


وفي هذا السياق، تتعامل الدول العربية بحذر محسوب، يحافظ على الاستقرار المالي ويجنبها الانخراط في رهانات نقدية غير محسوبة العواقب.

خلال السنوات العشر المقبلة، يُرجّح أن يتجه النظام الاقتصادي العالمي نحو مزيد من التعددية المرنة، حيث تتراجع فكرة القطب الواحد لصالح شبكة من القوى الاقتصادية المتداخلة.


وستكون القدرة على بناء الشراكات المتوازنة، وليس حجم القوة فقط، هي العامل الحاسم في تحديد النفوذ.
وفي هذا الإطار، تمتلك الدول العربية فرصة حقيقية لتعزيز موقعها، شريطة الاستمرار في تنويع الاقتصاد، وتعميق التكامل الإقليمي، والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا.


في المحصلة، لا يتجه العالم نحو نظام بلا الولايات المتحدة، بل نحو نظام لا يعتمد عليها وحدها.


أوروبا والهند تعيدان ترتيب أولوياتهما، والعالم العربي يتحرك بثبات داخل هذا التحول، مستثمرًا إمكاناته وموقعه.
أما الولايات المتحدة، فتواجه خيارًا استراتيجيًا واضحًا: إما إعادة بناء الثقة والشراكات، أو ترك التحولات الجارية ترسم نظامًا دوليًا جديدًا يتشكل بهدوء، ولكن بثبات.


عبد الرحيم جاموس
الرياض

شاهد أيضاً

قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان ترحب بقرار اصدار اذونات مزاولة مهنة التمريض

شفا – د. وسيم وني ، ترحب قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان ببدء …