11:44 مساءً / 29 يناير، 2026
آخر الاخبار

من عشبة الخلود إلى مفاتيح العودة ، حين يتقاطع الأدب البابلي مع الذاكرة الفلسطينية ، بقلم : أ. أمل قبها

من عشبة الخلود إلى مفاتيح العودة ، حين يتقاطع الأدب البابلي مع الذاكرة الفلسطينية ، بقلم : أ. أمل قبها


مقدمة


«اِصعدْ إلى سورِ أوروك، تمشَّ عليه جيئةً وذهابًا،
تأمّل أساسه الحجري، وتفحّص الطوبَ المشويّ،
أليس من صنع البشر؟»


— ملحمة جلجامش

بين الطين الذي دوّن أول أسئلة الخلود، والمفتاح الذي يحفظ ذاكرة البيوت، تتشكّل حكاية الإنسان في صراعه الأزلي مع الفناء والنسيان. هنا، حيث يلتقي الأدب البابلي بالذاكرة الفلسطينية، لا تعود الأسطورة مجرد ماضٍ بعيد، بل مرآةً لحاضرٍ يُكتب بوجع الصبر، وبإيمانٍ لا ينكسر بأن الأثر هو الخلود الحقيقي. وهكذا، يصبح الأدب ذاكرةً ثانية للإنسان، تحفظ ما تعجز الأيام عن حفظه.


في هذا المقال، تلتقي ملحمة جلجامش—بوصفها أول سؤال إنساني عن الخلود—مع التجربة الفلسطينية التي حوّلت الذاكرة إلى فعل مقاومة، لتكشفا معًا أن الخلود لا يُمنح بالجسد، بل يُصاغ بالأثر، وتُخلِّده الحكاية.


في زوايا الحياة تختبئ حكايات لم تُروَ بعد، ولذا علينا الإصغاء. حين تبدأ القصة، لا نعلم إن كانت ستقودنا نحو الأمل أم نحو الحقيقة، لكن المؤكد أنها لن تتركنا كما كنّا. فالأدب ليس مجرد سردٍ لما كان، بل جسرٌ يعبر الأزمنة، يربط الأسطورة بالواقع، والذاكرة بالهوية، والبحث عن الخلود بإرادة البقاء.


منذ آلاف السنين، سجّلت ملحمة جلجامش واحدة من أقدم تجليات الصراع الإنساني مع الفناء، حين خرج الملك البابلي في رحلة مضنية بحثًا عن الخلود. لم يكن هروبه من الموت وحده ما حرّكه، بل توقه العميق إلى ترك أثر لا يندثر. وما بين أسطورة العشبة، وسور أوروك، ورحلة التيه، تتجلى حقيقة إنسانية خالدة: أن البقاء الحقيقي لا يُقاس بطول العمر، بل بعمق الأثر.

من الأسطورة إلى الواقع الفلسطيني


في الأدب البابلي، لم يكن الخلود امتيازًا جسديًا، بل مشروعًا حضاريًا. وحين عاد جلجامش خائبًا بعد فقدان عشبة الحياة، لم يعد مهزومًا، بل أكثر وعيًا. وقف أمام سور أوروك، مدركًا أن الحجر الذي شُيّد بعرق الإنسان، والذاكرة التي صيغت بالإنجاز، هما المعنى الأصدق للخلود.


وهنا، تتقاطع الأسطورة مع واقعنا الفلسطيني؛ حيث لا يزال الإنسان يقاوم الفناء، لا عبر الأساطير، بل عبر الذاكرة، والمفتاح، والحكاية، والأرض. وكما فقد جلجامش عشبة الخلود حين خطفتها الأفعى، فقد الفلسطيني الكثير من أرضه وبيته، غير أن ما لم يُنتزع منه هو الحق، والهوية، والإصرار على البقاء.


الأفعى وتجدد الزمن


الأفعى في الملحمة جدّدت جلدها، كأنها رمز لقوة الزمن على التغيّر، بينما ظل الإنسان محدود العمر، لكنه غير محدود الأثر. والفلسطيني اليوم، رغم محاولات الطمس والتجريف، يجدّد حضوره عبر الثقافة والرواية، وعبر المفتاح الذي لم يعد مجرد معدن، بل شهادة حيّة على حق لا يسقط بالتقادم.


رحلة التيه والوعي


رحلة التيه التي خاضها جلجامش بعد فقدان أنكيدو تشبه، في رمزيتها العميقة، مسيرة شعب يبحث عن ذاته وسط المنافي والمخيمات والحدود. إنها رحلة وعي ونضج، يدرك فيها الإنسان أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في الصمود، وفي القدرة على تحويل الألم إلى معنى، والخسارة إلى هوية.


وكما حفظ البابليون ذاكرتهم في الطين والنقوش، يحفظ الفلسطيني ذاكرته في البيوت المهدّمة، والمفاتيح القديمة، والأسماء التي لم تمت. فالخلود هنا ليس وهمًا أسطوريًا، بل مشروع مقاومة، وكتابة مستمرة في وجه المحو.
الخاتمة


«نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا.» — محمود درويش

تكشف ملحمة جلجامش، كما تكشف التجربة الفلسطينية، أن الخلود ليس هروبًا من الموت، بل انتصارًا على النسيان. فبين ملكٍ وقف أمام سور أوروك واكتشف معنى الأثر، وشعبٍ يتمسّك بمفتاح العودة رغم عقود المنفى، تتجسّد الحقيقة الأسمى: أن الإنسان يرحل، لكن أثره—إن كان صادقًا—لا يزول.


لم تمنح رحلة جلجامش الحياة الأبدية، لكنها منحته وعيًا جعله خالدًا عبر الزمن. وكما هو حال الفلسطيني، الذي قد يُجرَّد من المكان، لكنه لا يُجرَّد من الذاكرة، ولا من الحلم، ولا من حقه في أن يظل حاضرًا… شاهدًا، ومقاومًا، ومحبًّا للحياة.
فحين تعجز الجغرافيا عن احتواء الحلم، تتكفّل الحكاية بحمايته من الضياع. وفي كل مفتاحٍ قديم، تنبض قصة بيتٍ لم يمت، بل ينتظر العودة. علّمتنا ملحمة جلجامش أن الإنسان فانٍ، لكن قيمه وأعماله هي التي تمنحه الخلود، وأن أعظم انتصار هو فهم معنى الحياة قبل فوات الأوان وترك الأثر.

شاهد أيضاً

خه يونغ تشيان

التجارة الصينية: الصين ترحب بالاستثمار النشط للشركات الفنلندية

شفا – قالت متحدثة باسم وزارة التجارة الصينية اليوم الخميس إن الصين ترحب بمواصلة الشركات …