4:37 مساءً / 25 يناير، 2026
آخر الاخبار

فلسطين بين الضائقة الاقتصادية وانسداد الأفق السياسي ، بقلم : معروف الرفاعي

فلسطين بين الضائقة الاقتصادية وانسداد الأفق السياسي ، بقلم : معروف الرفاعي


في ظل واقع فلسطيني يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، يجد المواطن نفسه محاصرًا بسلسلة من الأزمات المتداخلة التي لم تعد تقتصر على جانب واحد من حياته، بل باتت تطال أمنه المعيشي، واستقراره النفسي، وثقته بالمستقبل، فالأراضي الفلسطينية تعيش اليوم حالة اختناق اقتصادي وسياسي واجتماعي غير مسبوقة، تترافق مع شعور عام بالإحباط والشلل، في ظل غياب حلول حقيقية أو أفق واضح للخروج من هذا المأزق المتراكم.


الواقع الاقتصادي يزداد تدهورًا، والبطالة تواصل صعودها، خصوصًا في صفوف الشباب والخريجين، فيما يعاني الموظف الحكومي من رواتب منقوصة باتت عاجزة عن تغطية أبسط متطلبات الحياة، ومع كل شهر جديد، تتجدد المعاناة ذاتها، وتُعاد التبريرات ذاتها، تحت عنوان أزمة أموال المقاصة المحتجزة، دون أن يلمس المواطن خطة حكومية واضحة أو رؤية اقتصادية قادرة على إقناعه بأن هذا الوضع مؤقت وليس قدرًا دائمًا.


وفي الوقت الذي تتآكل فيه القدرة الشرائية للمواطن، ويتراجع مستوى المعيشة بشكل مقلق، تتسع رقعة الاستيطان على الأرض، وتتصاعد اعتداءات المستوطنين بشكل شبه يومي، في ظل حماية الاحتلال وصمته الدولي. هذا الواقع الأمني والسياسي لا يزيد فقط من معاناة الناس، بل يقوض أي إمكانية لنمو اقتصادي حقيقي، ويعمّق الشعور بأن الفلسطيني يدفع ثمنًا مزدوجًا: ثمن الاحتلال وثمن العجز الداخلي.


أما على المستوى السياسي، فإن حالة الانسداد تكاد تكون كاملة، فلا مسار سياسي واضح، ولا مفاوضات جادة، ولا استراتيجية وطنية معلنة تُجيب عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية. هذا الغياب للأفق السياسي ينعكس مباشرة على الشارع، ويغذي حالة الإحباط الشعبي، ويُضعف الثقة بالمؤسسات، ويترك المواطن وحيدًا أمام واقع غامض لا يحمل سوى المزيد من القلق.


وسط هذا المشهد القاتم، يراقب المواطن بذهول قرارات حكومية متلاحقة تتعلق بتعيينات دبلوماسية وإدارية واسعة، دون شرح كافٍ أو ربط واضح بينها وبين أولويات المرحلة أو معاناة الناس اليومية، وهنا تتكثف الحيرة الشعبية، ويتحول السؤال من همس إلى صوت عالٍ: هل ما نعيشه هو أزمة رواتب فعلًا، أم أزمة تعيينات، أم أزمة إدارة ورؤية واختلال في ترتيب الأولويات؟


كيف يمكن مطالبة المواطن بالصبر والتحمل، في الوقت الذي يشعر فيه بأن الأعباء لا تُوزع بعدالة، وأن التقشف يُطلب من فئة دون أخرى، وأن القرارات المصيرية تُتخذ بعيدًا عن نبض الشارع وهمومه الحقيقية؟ هذه التساؤلات ليست ترفًا ولا تشكيكًا، بل هي أسئلة مشروعة نابعة من معاناة يومية باتت تثقل كاهل كل بيت فلسطيني.


نتيجة لذلك، تعيش مختلف شرائح المجتمع حالة إحباط عامة، تحولت من شعور عابر إلى واقع دائم. إحباط ينعكس في الشارع، وفي أماكن العمل، وفي البيوت، ويهدد بتفكيك الروح الجماعية، ويُضعف الإيمان بجدوى الانتظار، ويزرع الشك في إمكانية التغيير. هذا الشلل النفسي والاجتماعي لا يقل خطورة عن الأزمات الاقتصادية، بل قد يكون أخطرها على المدى البعيد.


إن الحديث بهذه اللغة النقدية لا ينطلق من رغبة في جلد الذات، ولا من موقع خصومة مع أي جهة، بل من حرص صادق على المشروع الوطني الفلسطيني، ومن إيمان بأن السلطة الوطنية الفلسطينية يجب أن تكون سلطة لكل أبناء الشعب، نموذجًا في الديمقراطية، والحوكمة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، وقادرة على استعادة ثقة مواطنيها بالفعل لا بالخطاب.


إن ما نعيشه اليوم يستدعي وقفة جادة وشجاعة من أصحاب القرار، وقفة تقوم على المصارحة والشفافية، وعلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية والمالية، وعلى وقف أي سياسات من شأنها تعميق الفجوة بين المواطن ومؤسساته، فالمرحلة لم تعد تحتمل التأجيل أو الحلول المؤقتة، ولا الخطابات العامة التي لا تُترجم إلى إجراءات ملموسة.


هذه صرخة وطنية صادقة، ونداء مسؤول قبل فوات الأوان، لأن الأوطان لا تُدار بالصبر وحده، ولا تُبنى بتراكم الأزمات، بل تُنقذ بقرارات شجاعة، ورؤية واضحة، وإرادة حقيقية تضع الإنسان الفلسطيني في صلب الاهتمام، لا على هامشه.

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم الأحد 25 يناير كالتالي :شراء 4982 بيع 4984