
التطبيع الناعم: إدارة الصراع من خلف الوعي ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي
يقول الفنان الكوميدي الأمريكي ديف شابيل: ” كلمة السر هي: أنا أقف مع إسرائيل.. إذا سمعتموني أقول ذلك فاعلموا أنهم قد نجحوا في النَّيل مني، ولتتوقفوا عن الاستماع إليَّ حينها. ” على ضوء هذا القول، يمكن فهم طبيعة المرحلة الراهنة من الصراع، حيث لم يعد المطلوب انتزاع المواقف بالقوة، بل إعادة تشكيل الوعي حتى يصدر الموقف من الداخل. فبعد أن نجح الكيان الإسرائيلي، بدعم لوبياته الصهيونية، في فرض التطبيع الصلب مع بعض الدول العربية، انتقلت استراتيجيته إلى مسار أكثر دهاءً وخطورة، يمكن تسميته بالتطبيع الناعم، وهو مسار لا يستهدف القرار السياسي المباشر بقدر ما يعمل على إعادة تشكيل البيئة العربية الحاضنة للصراع، تمهيداً لتفكيك الرفض أو تحييده أو إعادة تعريفه بوصفه موقفاً غير واقعي.
في هذه المرحلة، لا تسعى إسرائيل إلى انتزاع اعتراف جديد، بل إلى إنتاج واقع عربي متكيف معها، واقع لا يرى في وجودها مشكلة محورية، ولا في سياساتها الاستعمارية سبباً دائماً للصراع. ويجري ذلك عبر هندسة هادئة للمزاج العام، تُفكَّك فيها البنية النفسية والثقافية التي طالما اعتبرت المشروع الصهيوني تهديداً وجودياً، وتُعاد فيها صياغة الأولويات، وتُبدَّل فيها اللغة، وتُفرَّغ فيها القضايا الكبرى من شحنتها الأخلاقية والتاريخية.
يتجلّى هذا المسار في الفجوة المتزايدة بين الخطاب السياسي المُعلن والسلوك العملي للدول. فبينما تستمر بعض العواصم في استخدام لغة الدعم اللفظي للقضية الفلسطينية، تتجه السياسات الواقعية على الأرض نحو مسارات سياسية واقتصادية وثقافية تنسجم عملياً مع الرؤية الصهيونية للمنطقة. هنا لا يُعلن التطبيع، لكنه يُمارس بوصفه أمراً طبيعياً لا يستدعي النقاش أو المساءلة. وتُعدّ قنوات التعاون غير المعلنة إحدى أخطر أدوات هذا التطبيع. فالعلاقات لا تُدار عبر السفارات وحدها، بل عبر تنسيق أمني، وتفاهمات استخباراتية، وتشابك مصالح اقتصادية تمر عبر أطراف ثالثة، بما يسمح بتحقيق مكاسب استراتيجية دون تحمّل كلفة المواجهة مع الرأي العام. بهذا الأسلوب، يتحول التطبيع من حدث سياسي صادم إلى ممارسة يومية صامتة.
في السياق ذاته، يشهد موقع القضية الفلسطينية تراجعاً متدرجاً في سُلَّم الأولويات العربية. لا يحدث هذا التراجع عبر الإنكار الصريح، بل عبر إعادة ترتيب الملفات، حيث تُقدَّم قضايا التنمية، والاستقرار، والإصلاح الداخلي بوصفها أكثر إلحاحاً، فيما تُعاد صياغة فلسطين وقضيتها المركزية كملف معقّد، طويل الأمد، أو خارج نطاق التأثير العربي. وبهذا، لا تُلغى القضية، لكنها تُفرَّغ من إلزاميتها الأخلاقية والسياسية. ويترافق هذا التحول مع تسويق مكثف لما يُسمّى بالواقعية السياسية، التي تُقدَّم بوصفها البديل الوحيد الممكن عن المواقف المَبدئِية. تُستدعى مفاهيم توازن القوى وحساب المصالح لتجريم أي خطاب مقاوم، وتصويره كطرح عاطفي أو مغامرة غير محسوبة. وفي هذا الإطار، لا تُناقش العدالة بوصفها أساس الاستقرار، بل يُنظر إليها كترف لا تسمح به موازين القوة.
كما يتجلّى التطبيع الناعم في الانخراط المتزايد في مشاريع إقليمية كبرى، اقتصادية وأمنية وتكنولوجية، تُعاد فيها صياغة التهديدات والتحالفات، بينما يُستبعد الصراع مع المشروع الصهيوني من معادلة الخطر. في هذه المشاريع، لا تُفرض إسرائيل كحليف مُعلن، بل تُقدَّم كفاعل إقليمي طبيعي، له سياسته واستراتيجته حتى وإن كان على حساب الزحف الجغرافي سواء العسكري أو الاستثماري، إذ يُتعامل معه بحكم الواقع لا بوصفه كياناً استعمارياً غاصباً.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن التحولات التي يشهدها الخطاب الديني، حيث يجري دفعهُ نحو قضايا فردية وأخلاقية معزولة، ونزع بعده الحضاري والسياسي. تُحيَّد مفاهيم الظلم، ونصرة المظلوم، ومقاومة العدوان، ويُستبدل بها خطاب يركّز على الاستقرار والأمن ومبادئ الديمقراطية الحديثة ولا عجب من ذلك تجنّب الصدام بما يسهم في تجفيف أي سند قيمي رافض للتطبيع. في هذا الإطار، تتحول الدبلوماسية من أداة لمواجهة الاحتلال إلى وسيلة لتطبيع الوعي. تُقدَّم العلاقة مع إسرائيل كضرورة عقلانية تفرضها موازين القوى، لا كخيار سياسي قابل للنقاش والمراجعة. وهنا يتحقق أخطر أشكال الهيمنة والنفوذ، حين يُعاد تشكيل طريقة التفكير ذاتها، ويُصوَّر الخروج عن هذا المنطق بوصفه لا عقلانياً أو غير مسؤول.
وتقود هذه المسارات مجتمعة إلى النتيجة الأخطر: إفراغ الصراع “العربي-الصهيوني” من مضمونه التاريخي. يتحول الصراع من قضية تحرر وعدالة إلى ملف إداري قابل للإدارة والتجميد، ومن مواجهة بين مشروع استعماري وشعب مُحتل إلى خلاف سياسي بين أطراف متكافئة. لا يُحلّ الصراع، ولا يُحسم، بل يُفرَّغ من طاقته الرمزية، حتى يفقد قدرته على التعبئة والاشتباك.
خلاصةً، إن التطبيع الناعم، في جوهره، ليس مسار سلام، بل مسار إعادة ضبط للوعي العربي بما يخدم استدامة الهيمنة. وهو أخطر من التطبيع الصلب، لأنه لا يُفرض بالقوة، بل يُمرَّر باسم العقلانية والضرورة والواقعية. ومن هنا، فإن مقاومته لا تكون بالشعارات وحدها، بل بحراسة المعنى والدفاع عن اللغة وإعادة الاعتبار للقضية بوصفها معياراً أخلاقياً لا ملفاً قابلا للتكييف. فحين يُستعمَر الوعي، يصبح تحرير الأرض قضية مؤجلة إلى أجل غير مسمّى.
مصطفى عبدالملك الصميدي – اليمن
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .