1:11 مساءً / 25 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح والميدان: أين العلاقة اليوم؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح والميدان: أين العلاقة اليوم؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي


(المقال الرابع والعشرون من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد”)


القاعدة الشعبية والعمل الجماهيري


مقدّمة

ارتبط اسم حركة فتح، منذ انطلاقتها، بالميدان والشارع والناس. فقد وُلدت كحركة تحرر وطني من قلب المعاناة الفلسطينية، واستمدّت شرعيتها من التحامها بالجماهير، ومن قدرتها على التعبير عن آمالهم وآلامهم، وتنظيم طاقتهم في مواجهة الاحتلال. وكان الميدان، بمختلف أشكاله، هو المساحة الطبيعية لحضور فتح، ومصدر قوتها وتأثيرها.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: أين أصبحت علاقة فتح بالميدان؟ وهل ما زالت القاعدة الشعبية تشعر بأن الحركة تعبّر عنها وتمثّلها؟ أم أن هناك فجوة متزايدة بين التنظيم والشارع، وبين الخطاب والممارسة، وبين القيادة والعمل الجماهيري؟

أولًا: الميدان في الوعي الفتحاوي

الميدان في التجربة الفتحاوية ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو مفهوم شامل يعبّر عن التفاعل المباشر مع الجماهير، والانخراط في نضالاتهم اليومية، وتنظيم الفعل الشعبي بأبعاده الوطنية والاجتماعية. ففي الميدان تبلورت هوية فتح، ومنه خرجت قياداتها، وعبره اكتسبت ثقة الناس.

لقد شكّل العمل الجماهيري، من مظاهرات، وانتفاضات، ولجان شعبية، ونشاطات نقابية وطلابية، العمود الفقري للحركة، وأداة رئيسية في بناء القاعدة الشعبية وترسيخ حضور فتح في المجتمع الفلسطيني.

ثانيًا: القاعدة الشعبية… مصدر الشرعية والقوة

القاعدة الشعبية ليست مجرد رقم في سجلات التنظيم، بل هي الحاضنة الحقيقية لأي حركة وطنية. وهي التي تمنح الشرعية، وتحمي المشروع، وتدافع عنه في أوقات الشدّة. وفتح، تاريخيًا، كانت حركة جماهيرية بامتياز، امتدت في المخيمات والقرى والمدن، وفي الاتحادات والنقابات والجامعات.

لكن القاعدة الشعبية لا تبقى ثابتة تلقائيًا، بل تحتاج إلى رعاية دائمة، وحضور مستمر، واستجابة حقيقية لهموم الناس. وحين يضعف هذا الحضور، تبدأ القاعدة بالتآكل، أو بالبحث عن بدائل تعبّر عن تطلعاتها.

ثالثًا: تحولات الواقع وأثرها على العلاقة بالميدان

شهدت الساحة الفلسطينية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة، أثّرت بشكل مباشر على علاقة فتح بالميدان، من أبرزها:

• الانتقال من حركة تحرر إلى حركة تقود سلطة.
• تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي.
• تصاعد دور الفضاء الرقمي على حساب العمل الميداني التقليدي.
• تراجع الثقة العامة بالمؤسسات السياسية.

هذه التحولات أدت، في كثير من الأحيان، إلى انشغال التنظيم بالإدارة والسياسة، على حساب العمل الجماهيري المباشر، ما خلق شعورًا لدى قطاعات من الناس بأن فتح ابتعدت عن الشارع، أو أصبحت أقل حضورًا في ميادين الفعل الشعبي.

رابعًا: فتح بين السلطة والميدان

من أبرز الإشكاليات التي واجهت فتح هو الجمع بين دورها كحركة وطنية جماهيرية، ودورها في إدارة السلطة. ففي حين يتطلب العمل الجماهيري الاحتكاك المباشر بالناس، والانحياز لمطالبهم، يفرض العمل السلطوي قيودًا والتزامات معقّدة.

هذا التداخل خلق حالة من الالتباس في وعي الشارع:

هل فتح حركة تقود الاحتجاج أم حركة تُطالَب بالاستجابة له؟
هل هي جزء من السلطة أم أداة ضغط عليها؟

غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة ساهم في إضعاف العلاقة بالميدان، وأربك القاعدة الشعبية التي اعتادت رؤية فتح في مقدّمة الصفوف.

خامسًا: العمل الجماهيري… من التنظيم إلى الموسمية

أحد مظاهر الأزمة في العلاقة بين فتح والميدان هو تحوّل العمل الجماهيري، في بعض الأحيان، إلى نشاط موسمي أو ردّ فعل آني، بدل أن يكون نهجًا دائمًا ومنظمًا. فتغيب البرامج الميدانية طويلة الأمد، وتحلّ محلها تحركات محدودة مرتبطة بأحداث أو مناسبات.

العمل الجماهيري الفعّال يتطلب:

• رؤية واضحة وأهداف محددة.
• كوادر ميدانية مؤهلة وفاعلة.
• ارتباطًا يوميًا بقضايا الناس المعيشية والوطنية.
• تنظيمًا مستمرًا لا يرتبط بالظروف فقط.

من دون ذلك، يفقد الميدان زخمه، وتفقد الحركة قدرتها على التأثير الحقيقي.

سادسًا: الشباب والميدان… فرصة مهدورة أم طاقة كامنة؟

يمثّل الشباب العمود الفقري لأي عمل جماهيري، وهم الأكثر حضورًا في الميدان، والأكثر استعدادًا للمبادرة والتضحية. غير أن العلاقة بين فتح والشباب شهدت تراجعًا ملحوظًا، نتيجة:

• ضعف إشراكهم في القرار التنظيمي.
• غياب المساحات الحرة للتعبير والمبادرة.
• شعورهم بأن دورهم محصور في التنفيذ لا القيادة.

فتح التي تريد استعادة علاقتها بالميدان لا يمكنها تجاوز الشباب، بل عليها أن تجعلهم في صلب العمل الجماهيري، لا في هامشه، وأن تمنحهم الثقة والمسؤولية.

سابعًا: الميدان ليس فقط احتجاجًا

من المهم التأكيد أن الميدان لا يقتصر على التظاهرات والمواجهات، بل يشمل أيضًا:

• العمل الاجتماعي والخدمي.
• الدفاع عن قضايا العمال والطلبة.
• الحضور في الأزمات المجتمعية.
• تنظيم المبادرات الشعبية.

حين تكون فتح حاضرة في تفاصيل حياة الناس، تشاركهم أفراحهم وأزماتهم، فإنها تعيد بناء الثقة، وتُرسّخ علاقتها بالقاعدة الشعبية بشكل أعمق وأكثر استدامة.

ثامنًا: استعادة العلاقة… من أين نبدأ؟

لا يمكن استعادة العلاقة بين فتح والميدان بالشعارات، بل بخطوات عملية، من أبرزها:

  1. إعادة الاعتبار للعمل الجماهيري كأولوية تنظيمية.
  2. تمكين الأقاليم والمناطق ومنحها دورًا فاعلًا في المبادرة.
  3. فتح قنوات حقيقية مع القاعدة الشعبية والاستماع لهمومها.
  4. إشراك الشباب والمرأة في قيادة العمل الميداني.
  5. التحرر من البيروقراطية التنظيمية التي تعيق المبادرة.

تاسعًا: فتح والميدان… علاقة لا غنى عنها
إن فتح بلا ميدان تفقد روحها، والميدان بلا تنظيم يفقد قدرته على الاستمرار. فالعلاقة بين فتح والميدان علاقة تكامل لا يمكن التفريط بها. وكلما ابتعدت الحركة عن الشارع، خسرت جزءًا من مشروعيتها، وكلما اقتربت منه، استعادت دورها الطبيعي كحركة جماهيرية.

فتح التي نريدها هي فتح التي تعود إلى الناس، لا من موقع الوصاية، بل من موقع الشراكة، وتعيد بناء حضورها في الميدان باعتباره مساحة الفعل، لا مجرد رمز من الماضي.

خاتمة

إن السؤال: فتح والميدان: أين العلاقة اليوم؟ هو في جوهره سؤال عن هوية الحركة ومستقبلها. فإما أن تبقى فتح حركة متجذّرة في القاعدة الشعبية، تقود العمل الجماهيري وتعبّر عن نبض الشارع، أو تتحوّل تدريجيًا إلى تنظيم منفصل عن الناس، يفقد تأثيره ودوره التاريخي.

استعادة العلاقة مع الميدان ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية وتنظيمية. وهي تبدأ بالعودة إلى الأصل: إلى الناس، إلى الشارع، إلى القاعدة الشعبية، حيث وُلدت فتح، وحيث لا تزال قوتها الحقيقية.

شاهد أيضاً

Xiaomi تعلن عن هاتف جديد بمواصفات ممتازة

Xiaomi تعلن عن هاتف جديد بمواصفات ممتازة

شفا – أعلنت Xiaomi عن هاتف جديد ينافس من حيث المواصفات وقدرات التصوير أفضل الهواتف …