
أسباب انتشار نسبة الطلاق في فلسطين ، قراءة تربوية اجتماعية ، بقلم : ا.د. عطاف الزيات
تشهد الأسرة الفلسطينية في السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في نسب الطلاق، وهي ظاهرة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه فلسطين سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. فالأسرة، بوصفها النواة الأولى للمجتمع، تتأثر بكل ما يحيط بها، ويظهر هذا التأثر جليًا في علاقات الزوجين واستقرار الحياة الأسرية.
في مقدمة أسباب الطلاق تأتي الضغوط الاقتصادية، حيث تعاني شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني من البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الدخل. هذه الأوضاع تخلق حالة من القلق المستمر، وتحوّل الحياة الزوجية من مساحة للطمأنينة إلى ساحة للتوتر والخلاف، خاصة عندما يعجز أحد الطرفين عن تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة.
ولا يمكن إغفال أثر الواقع السياسي والاحتلال في تفكك كثير من الأسر الفلسطينية؛ فالاعتقالات، والإغلاقات، ومنع حرية الحركة، وغياب الشعور بالأمان، كلها عوامل تضغط نفسيًا على الزوجين، وتُضعف قدرتهما على الصبر والتفاهم. كما تسهم سياسات منع لمّ الشمل في تمزيق كثير من الأسر وتهديد استقرارها.
من الزاوية الاجتماعية، يبرز الزواج غير المدروس سببًا مهمًا لارتفاع نسب الطلاق، سواء كان نتيجة التسرع في اتخاذ القرار، أو الخضوع للضغوط العائلية، أو إتمام الزواج دون معرفة كافية بطبيعة الشريك. ويضاف إلى ذلك تدخل الأهل المفرط في تفاصيل الحياة الزوجية، الأمر الذي يحرم الزوجين من فرصة بناء تجربتهما الخاصة، ويؤجج الخلافات بدل احتوائها.
أما على الصعيد النفسي، فإن تراكم الضغوط اليومية، وغياب الحوار البنّاء، وضعف القدرة على التعبير عن المشاعر، كلها عوامل تؤدي إلى فجوة عاطفية بين الزوجين. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يترافق ذلك مع العنف الأسري أو عدم التوافق النفسي، ما يجعل الطلاق في نظر بعض الأزواج مخرجًا وحيدًا من المعاناة.
وفي عصر التكنولوجيا، أسهم سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق الخلافات الزوجية، عبر خلق مقارنات غير واقعية، أو إثارة الشك والغيرة، أو فتح أبواب للتواصل غير المسؤول، ما أضعف الثقة بين الزوجين، وهي الركيزة الأساسية لأي علاقة ناجحة.
تُظهر هذه المعطيات أن الطلاق في فلسطين ليس ظاهرة فردية معزولة، بل هو نتيجة طبيعية لتشابك عوامل قاهرة ومتراكمة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز التربية الأسرية، ونشر ثقافة الحوار، وتوفير برامج الإرشاد قبل الزواج وبعده، إلى جانب تحسين الظروف الاقتصادية، والدعم النفسي، بما يسهم في حماية الأسرة الفلسطينية وصون تماسكها.
فالأسرة القوية ليست ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة وطنية في مجتمع يواجه تحديات استثنائية.
الكاتبه ا.د. عطاف الزيات
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .