
فتح والجيل الجديد: لغة جديدة أم شعارات قديمة؟ بقلم الصحفي سامح الجدي
(المقال الثاني والعشرون من سلسلة مقالات أي فتح نريد)
تجديد الخطاب
مقدّمة
تقف حركة فتح اليوم أمام تحدٍّ مركزي لا يقلّ أهمية عن التحديات السياسية والوطنية التي تواجهها، وهو علاقتها بالجيل الجديد من الشباب الفلسطيني. فهذا الجيل وُلد في زمن مختلف، ونشأ في ظل وقائع سياسية واقتصادية واجتماعية متغيّرة، ولم يعش لحظات الانطلاقة الأولى، ولا تجربة الكفاح المسلح في بداياتها، ولا وهج المشروع الوطني كما عرفته الأجيال السابقة. وبين فتح والجيل الجديد، تبرز فجوة واضحة في اللغة والخطاب وأدوات التواصل.
من هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تخاطب فتح الجيل الجديد بلغة جديدة تلامس واقعه، أم ما زالت أسيرة شعارات قديمة فقدت قدرتها على الإقناع؟ وهل تجديد الخطاب خيار تجميلي، أم ضرورة وجودية لضمان استمرارية الحركة ودورها الوطني؟
أولًا: الجيل الجديد… وعي مختلف وسياق متغيّر
الجيل الجديد من الشباب الفلسطيني ليس أقل وطنية أو التزامًا من الأجيال السابقة، لكنه مختلف في طريقة تفكيره، وأولوياته، وأدوات تعبيره. هو جيل:
• يعيش في عالم مفتوح بفعل الثورة الرقمية.
• يتعرّض يوميًا لخطابات سياسية متعددة ومتعارضة.
• يعاني من البطالة، وانسداد الأفق، وتراجع الثقة بالمؤسسات.
• يميل إلى التفكير النقدي وطرح الأسئلة الصعبة.
هذا الجيل لا يكتفي بسماع الشعارات الكبرى، بل يبحث عن إجابات ملموسة تتصل بحياته اليومية ومستقبله، ويريد خطابًا صادقًا، واضحًا، ومتسقًا بين القول والفعل.
ثانيًا: فتح بين التاريخ والراهن
لا يمكن فهم علاقة فتح بالجيل الجديد دون استحضار ثقل التاريخ. ففتح ليست تنظيمًا عابرًا، بل حركة قادت المشروع الوطني لعقود، وقدّمت تضحيات جسيمة، وارتبط اسمها بالهوية الوطنية الفلسطينية.
غير أن التحوّل من حركة ثورية إلى حركة تقود سلطة سياسية ألقى بظلاله على خطاب فتح، وأحدث فجوة بين الخطاب الثوري التقليدي والواقع اليومي المعقّد. فالكثير من مفردات الخطاب ما زالت تستند إلى أمجاد الماضي، دون ربط كافٍ بتحديات الحاضر وأسئلة المستقبل، ما يجعل الجيل الجديد يشعر أحيانًا بأن الخطاب لا يعكس واقعه.
ثالثًا: أزمة الخطاب أم أزمة الثقة؟
قد تبدو المشكلة في ظاهرها أزمة خطاب، لكنها في جوهرها أزمة ثقة. فالجيل الجديد لا يرفض الخطاب الوطني بحد ذاته، بل يشكّك في صدقيته حين لا يرى انعكاسه في السياسات والممارسات.
حين يُرفع شعار العدالة، ويُمارَس الإقصاء، وحين يُتحدّث عن الديمقراطية، وتغيب المشاركة، وحين يُمجَّد الشباب، ويُهمَّشون في مواقع القرار، يصبح الخطاب، مهما كان قويًا لغويًا، فارغًا من مضمونه.
ومن هنا، فإن تجديد الخطاب لا يعني تغيير الكلمات فقط، بل إعادة بناء العلاقة مع الجيل الجديد على أساس الصدق والاحترام والمشاركة.
رابعًا: الشعارات القديمة… لماذا لم تعد كافية؟
الشعارات التي شكّلت يومًا وقود التعبئة الوطنية، لم تفقد قيمتها الرمزية، لكنها لم تعد كافية وحدها لإقناع جيل يعيش أسئلة مختلفة. فالشباب اليوم يسألون:
• ما موقعنا في المشروع الوطني؟
• ما دورنا الحقيقي في صنع القرار؟
• كيف نواجه البطالة والفقر وانعدام الأفق؟
• ما معنى النضال في واقع معقّد ومفتوح؟
وحين لا يجدون إجابات واضحة، يتحول الخطاب إلى تكرار محفوظ، لا يحفّز، ولا يُقنع، ولا يُلهم.
خامسًا: ما معنى تجديد الخطاب الفتحاوي؟
تجديد الخطاب لا يعني التخلي عن الثوابت الوطنية، ولا القطيعة مع التاريخ، بل يعني إعادة صياغة الرسالة بلغة العصر، وربطها بقضايا الناس، وخاصة الشباب.
ويتطلّب تجديد الخطاب:
- لغة واضحة وبسيطة بعيدًا عن الإنشاء والخطاب الخشبي.
- مصارحة الشباب بالتحديات بدل الاكتفاء بالوعود.
- الانتقال من الخطاب التعبوي إلى الخطاب التشاركي.
- الربط بين الوطني والاجتماعي والاقتصادي.
- استخدام أدوات التواصل الحديثة بفاعلية وصدق.
سادسًا: فتح والفضاء الرقمي
أحد أبرز مظاهر الفجوة بين فتح والجيل الجديد هو التعامل مع الفضاء الرقمي. فالشباب اليوم يعيشون في عالم المنصات الرقمية، حيث تُصاغ الأفكار، وتُبنى القناعات، وتُدار المعارك الرمزية.
فتح التي تريد مخاطبة الجيل الجديد تحتاج إلى:
• حضور رقمي حقيقي، لا موسمي.
• خطاب تفاعلي، لا أحادي الاتجاه.
• كوادر شابة تُنتج المحتوى، لا تكرّر البيانات.
• احترام عقل المتلقي، والابتعاد عن الوصاية.
الفضاء الرقمي ليس مجرد وسيلة نشر، بل ساحة سياسية وثقافية تتطلب فهمًا جديدًا للخطاب والتأثير.
سابعًا: الشباب شركاء لا جمهور
من أكبر أخطاء الخطاب التقليدي التعامل مع الشباب كجمهور للتعبئة، لا كشركاء في التفكير وصنع القرار. الجيل الجديد يريد أن يُسمَع، لا أن يُخاطَب فقط.
فتح التي نريدها هي فتح التي:
• تُشرك الشباب في صياغة خطابها وبرامجها.
• تفتح أمامهم مواقع قيادية حقيقية.
• تحتضن النقد الداخلي ولا تخشاه.
• تؤمن بأن التجديد يبدأ من الداخل.
فلا يمكن بناء خطاب جديد بعقلية قديمة، ولا يمكن مخاطبة جيل جديد بأدوات الأمس.
ثامنًا: بين الثوابت والتجديد
التحدي الحقيقي أمام فتح ليس في الاختيار بين الثوابت والتجديد، بل في القدرة على الجمع بينهما. فالثوابت الوطنية تشكّل الأساس، لكن الخطاب الذي لا يتجدّد يفقد قدرته على الاستمرار.
تجديد الخطاب يعني:
• الحفاظ على جوهر المشروع الوطني.
• تحديث أدوات التعبير عنه.
• إعادة تعريف مفاهيم النضال والمشاركة.
• ربط القضية الوطنية بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
تاسعًا: نحو خطاب فتحاوي مُلهِم
الخطاب القادر على استعادة ثقة الجيل الجديد هو خطاب:
• صادق، لا مبالغ فيه.
• نقدي، لا تبريري.
• واقعي، لا إنشائي.
• مفتوح، لا إقصائي.
خطاب يعترف بالأخطاء، ويطرح رؤى للمستقبل، ويقدّم الأمل على أساس العمل، لا الوهم.
خاتمة
إن السؤال: فتح والجيل الجديد: لغة جديدة أم شعارات قديمة؟ هو في جوهره سؤال عن مستقبل الحركة ودورها الوطني. فإما أن تنجح فتح في تجديد خطابها، وتبني جسور ثقة مع الجيل الجديد، أو تبقى أسيرة لغة لم تعد قادرة على الإقناع.
تجديد الخطاب ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة تنظيمية ووطنية. وهو يبدأ بالاعتراف بأن الجيل الجديد ليس مشكلة، بل فرصة. فرصة لإعادة الحيوية إلى الحركة، وتجديد مشروعها، وصياغة خطاب وطني يُخاطب الحاضر، ويصنع المستقبل، دون أن يتخلى عن جذوره وتاريخه.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .