1:45 مساءً / 22 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح التي نختلف داخلها ولا ننقسم ، بقلم الصحفي سامح الجدي

فتح التي نختلف داخلها ولا ننقسم ، بقلم الصحفي سامح الجدي

( المقال الحادي والعشرون من سلسلة مقالات أي فتح نريد )


إدارة الخلاف التنظيمي

مقدّمة

لم تكن حركة فتح، منذ انطلاقتها، تنظيمًا أحادي الصوت أو الرأي، بل كانت إطارًا وطنيًا جامعًا استوعب تيارات فكرية وسياسية متعددة، جمعها هدف التحرر الوطني وبناء المشروع الفلسطيني. وقد شكّل هذا التنوع، عبر مسيرتها الطويلة، مصدر قوة وحيوية، لكنه في الوقت ذاته حمل بذور الخلاف والتباين في الرؤى والمواقف. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف نُدير الخلاف داخل فتح دون أن يتحول إلى انقسام؟ وكيف نبني فتح التي نختلف داخلها، لكننا لا ننقسم؟

إن إدارة الخلاف التنظيمي ليست مسألة إجرائية فحسب، بل هي قضية ثقافية وتنظيمية وسياسية، تمسّ جوهر وحدة الحركة ومستقبلها ودورها الوطني.

أولًا: الخلاف كظاهرة طبيعية في التنظيمات الحيّة

الخلاف داخل التنظيمات السياسية ظاهرة طبيعية وصحية، تعكس حيوية الفكر وتعدد الاجتهادات واختلاف التجارب. فالتنظيم الذي لا يعرف الخلاف هو إما تنظيم جامد، أو تنظيم يُقصي الاختلاف بالقوة.

في حركة فتح، نشأ الخلاف نتيجة عوامل متعددة، من بينها:

• اختلاف الرؤى السياسية والاستراتيجيات النضالية.
• تباين التجارب التنظيمية والميدانية.
• تغيّر الظروف الوطنية والإقليمية والدولية.
• اتساع الحركة وتنوع قواعدها الاجتماعية والجغرافية.

وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في وجود الخلاف، بل في طريقة إدارته. فالخلاف غير المُدار يتحول إلى صراع، والصراع غير المضبوط يقود إلى الانقسام.

ثانيًا: الفرق بين الخلاف والانقسام

من المهم التمييز بين مفهومي الخلاف والانقسام.

• الخلاف هو تباين في الرأي داخل إطار تنظيمي واحد، تحكمه لوائح وقيم مشتركة، ويهدف في جوهره إلى الوصول لأفضل الخيارات.
• الانقسام هو خروج الخلاف من الإطار التنظيمي، وتحوله إلى صراع على الشرعية والتمثيل، يؤدي إلى تفكك البنية التنظيمية وتآكل المشروع الوطني.

فتح التي نريدها هي فتح التي تحتمل الخلاف، لكنها ترفض الانقسام، وتعتبر الوحدة التنظيمية قيمة عليا لا يجوز التفريط بها، مهما اشتد التباين في الآراء.

ثالثًا: جذور الخلاف التنظيمي في فتح

لفهم كيفية إدارة الخلاف، لا بد من تشخيص جذوره، ومن أبرزها:

  1. غياب الأطر المؤسسية الفاعلة
    حين تضعف المؤسسات التنظيمية، يتحول الخلاف إلى علاقات شخصية ومراكز قوى.
  2. المركزية الشديدة في اتخاذ القرار
    احتكار القرار يولّد الإقصاء، ويغذّي الاحتقان داخل الصف الفتحاوي.
  3. ضعف الديمقراطية الداخلية
    غياب المشاركة الحقيقية يدفع الكوادر للتعبير عن خلافهم بطرق غير تنظيمية.
  4. تداخل السياسي بالتنظيمي
    عدم وضوح الفصل بين القرار السياسي وإدارة الشأن التنظيمي يعمّق الخلافات.
  5. ثقافة التخوين والإقصاء
    حين يُنظر إلى الرأي المختلف كتهديد، يصبح الخلاف مقدمة للانقسام.

رابعًا: إدارة الخلاف التنظيمي كضرورة استراتيجية

إدارة الخلاف داخل فتح ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الحركة من التفكك، والحفاظ على دورها الوطني. ففتح ليست حزبًا عاديًا، بل حركة تحرر وطني تحمل مسؤولية تاريخية تجاه الشعب الفلسطيني.

إن إدارة الخلاف تعني:

• تحويل الخلاف إلى حوار منظم.
• احتواء التباينات داخل الأطر الشرعية.
• منع تحول الخلاف إلى صراع شخصي أو جهوي.
• الحفاظ على وحدة الحركة رغم اختلاف الرؤى.

خامسًا: أدوات إدارة الخلاف داخل فتح

لتحقيق إدارة ناجحة للخلاف التنظيمي، لا بد من تفعيل مجموعة من الأدوات والآليات، من أبرزها:

  1. المؤسسات التنظيمية الشرعية
    المؤتمرات، والمجالس، واللجان، هي الساحة الطبيعية لحل الخلافات، وليس الإعلام أو مواقع التواصل.
  2. الحوار الداخلي المنتظم
    فتح قنوات دائمة للنقاش، تسمح بتبادل الآراء دون خوف أو تهميش.
  3. الديمقراطية الداخلية
    الاحتكام إلى الانتخاب، والتصويت، والتداول، بدل فرض الأمر الواقع.
  4. اللوائح والأنظمة الداخلية
    تطبيق القوانين التنظيمية بعدالة، بعيدًا عن الانتقائية.
  5. القيادة الجامعة

قيادة قادرة على الاستماع، والوساطة، واحتواء الجميع.

سادسًا: ثقافة الاختلاف داخل فتح

لا يمكن إدارة الخلاف بآليات تنظيمية فقط، ما لم تترافق مع ثقافة تنظيمية تؤمن بالاختلاف وتحترمه. فالثقافة التنظيمية هي التي تحدد إن كان الخلاف سيتحول إلى إثراء أم إلى صراع.

وتقوم ثقافة الاختلاف الصحية على:

• احترام الرأي الآخر.
• الفصل بين الخلاف الفكري والعلاقة التنظيمية.
• رفض التخوين والتشكيك بالوطنية.
• تقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية.

فتح التي نريدها هي فتح التي تعتبر الاختلاف مصدر قوة، لا سببًا للانقسام.

سابعًا: دور القيادة في منع الانقسام

تقع على عاتق القيادة مسؤولية كبرى في إدارة الخلاف ومنع الانقسام. فالقيادة التي تنحاز لطرف، أو تُقصي آخر، أو تتجاهل الخلافات، تساهم في تعميق الأزمة.

القيادة المطلوبة هي قيادة:

• محايدة في إدارة الخلافات الداخلية.
• شجاعة في الاعتراف بالأخطاء.
• قادرة على اتخاذ قرارات توافقية.
• ملتزمة بوحدة الحركة قبل أي اعتبار آخر.

ثامنًا: الشباب والخلاف التنظيمي

يمثّل الشباب الفتحاوي عنصرًا أساسيًا في تجديد الحركة، لكنهم غالبًا ما يكونون الأكثر تأثرًا بحالات الانقسام. لذلك، فإن إشراكهم في الحوار، ومنحهم مساحة للتعبير، يُسهم في تخفيف الاحتقان وضخ دماء جديدة في آليات إدارة الخلاف.

فتح التي نريدها هي فتح التي تحتضن طاقات شبابها، وتُعلّمهم أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن الخلاف يُدار بالعقل لا بالعاطفة.

تاسعًا: من إدارة الخلاف إلى تعزيز الوحدة

الهدف النهائي من إدارة الخلاف التنظيمي ليس إسكات الأصوات المختلفة، بل تعزيز الوحدة على قاعدة التنوع. فالوحدة الصلبة لا تقوم على التطابق، بل على الاتفاق على الثوابت، واحترام الاختلاف في المتغيرات.

فتح التي نختلف داخلها ولا ننقسم هي فتح التي:

• تحمي وحدتها التنظيمية.
• تصون تعدد الآراء داخلها.
• توازن بين الحسم والتوافق.
• تُقدّم المشروع الوطني على الحسابات الضيقة.

خاتمة

إن بناء فتح التي نختلف داخلها ولا ننقسم يتطلب إرادة صادقة، ومراجعة جادة، وثقافة تنظيمية ديمقراطية. فالخلاف قدر أي حركة حية، لكن الانقسام خيار مدمّر.

فتح التي تحترم تاريخها، وتدرك حجم التحديات الوطنية، هي فتح التي تُدير خلافاتها بالحوار والمؤسسات، لا بالإقصاء والتخوين. وبهذا فقط، تبقى فتح حركة جامعة، قادرة على الاستمرار، وعلى حمل راية النضال الوطني، موحّدة رغم الاختلاف، قوية بتنوّعها، وصلبة بوحدتها.

شاهد أيضاً

قوه جيا كون

الصين تحث الفلبين على التصدي للتأثير الفادح لحملة تشويه شنها مسؤول من خفر السواحل الفلبيني

شفا – حثّ متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، اليوم الخميس، الفلبين مجددا على العمل بشكل …