7:22 مساءً / 20 يناير، 2026
آخر الاخبار

حين يغيبُ الدين الحقيقي تُتهم النساء ، بقلم : الأديبة إيمان مرشد حمّاد

حين يغيبُ الدين الحقيقي تُتهم النساء ، بقلم : إيمان مرشد حمّاد

قرأتُ مؤخرًا عددًا كبيرًا من المنشورات التي تتناول القضايا الأسرية والارتفاع الفلكي في نسب الطلاق في مجتمعنا الفلسطيني، وقد هالني في تلك المنشورات والتعليقات أمران اجده لزاماً ان اوضحهما رغم أنني كتبت سابقا عشرات المقالات في الصحف والمواقع الإلكترونية .

أولًا: حجم الجهل بأحكام الدين وسماحته في معاملة النساء، والتمسك بمفاهيم تقليدية بالية عفا عليها الزمن، كاعتبار الاحتواء ضعفًا في الرجولة، واللين في التعامل خنوعًا.

ثانيًا: الفجوة الواسعة بين طرائق التربية التقليدية وتحديات الحياة المعاصرة التي تواجهها النساء. فثمة فصام واضح بين ما يُتوقع من المرأة من مهام جسام تُلقى على عاتقها، وبين اتهامها بالجهل والغباء وتحميلها كامل مسؤولية الفشل الأسري. بل وصل الأمر إلى عزو ارتفاع نسب الطلاق إلى حصول النساء على درجات علمية عالية أو تأخر سن الزواج، وكأن العلم والاستقلالية تهمة.

صحيح أن لديّ الكثير من الردود العقلانية والمدعومة بالشواهد على بطلان هذه المزاعم وتجنيها على النساء، خاصة وأنها تستند إلى لغة التعميم، وهي لغة الجهلاء، إلا أنني لم أجد أبلغ من الاستئناس بهاتين القصتين من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:

القصة الأولى: عقد عائشة وبركة التيمم

كان لعائشة رضي الله عنها عقد ترتديه في إحدى أسفارها مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فانقطع وسقط منها. فتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عن المسير، وأرسل بعض أصحابه للبحث عنه، حتى وجدوه تحت البعير الذي كانت تركبه. ولم يكن مع القوم ماء، فأنزل الله تعالى رخصة التيمم، فكانت بركة عائشة سببًا في التيسير على الأمة.

ما يلفت في هذه القصة ليس فقط الحدث، بل موقف النبي صلى الله عليه وسلم: لم يسفّه عائشة، ولم يستهزئ بانشغالها بعقدها، ولم يعتبر ذلك “تفاهة نسائية” في وقت الغزو والتوتر. بل أعلن عن ضياع العقد أمام أصحابه، وساعدها في العثور عليه دون أن يرى في ذلك انتقاصًا من رجولته أو هيبته.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحبب إلى عائشة، ويناديها بـ”عائش”، ويتسابق معها، ويُظهر مودته لها أمام الناس. وهو من تزوج خديجة رضي الله عنها، الأرملة التي تكبره سنًا، ووضع ماله وجهده في خدمتها، ولم يخجل من أن يُنسب إليها، بل كان يفتخر بفضلها ويذكرها بالخير حتى بعد وفاتها.

كيف لا، وهو من لجأ إلى صدرها حين نزل عليه الوحي، ولم يرَ في ذلك ضعفًا أو حرجًا. هذه هي الرجولة الحقيقية: رجولة الاحتواء، والاعتراف بالفضل، والطمأنينة إلى المرأة لا التسلط عليها.

القصة الثانية: صحن الغيرة

يُروى أن إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم (ويقال إنها أم سلمة) أرسلت صحنًا فيه طعام إلى النبي وهو عند عائشة، فغارت عائشة، فضربت يد الخادم فسقط الصحن وانكسر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبتسمًا: “غارت أمكم”، ثم جمع الطعام، وأرسل صحنًا سليمًا بدلًا منه، وترك المكسور عند عائشة.

تخيلوا لو أن هذا الموقف حدث اليوم! كم من الرجال كان سيصرخ، ويشتم، وربما يهدد بالطلاق أمام الخدم والضيوف. أما النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يوبّخ، ولم يستهزئ، بل تعامل بحكمة ورفق، وعلّمنا دروسًا خالدة:

  1. الغيرة طبيعة بشرية: حتى أمهات المؤمنين غِرن، فكيف بنساء اليوم؟
  2. الحِلم النبوي: امتصّ الغضب، وألّف بين القلوب، ولم يُشعل نار الفتنة.
  3. العدل والإنصاف: عوّض الصحن المكسور، وأبقى المكسور عند من كسرته، دون إهانة أو انتقام.

الرجولة ليست صراخًا ولا قوامة متعجرفة

إن الرجولة التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي تُقاس بالصوت المرتفع أو السيطرة، بل تلك التي تتجلى في الحِلم، والعدل، والاحتواء، والاعتراف بالشراكة.


المرأة ليست خصمًا في معركة، بل شريكة في بناء، ورفيقة في الطريق.

والزواج ليس استدعاءً لأحد الطرفين إلى حياة الآخر القديمة، بل هو بداية جديدة تُبنى معًا، على أسس من التفاهم والتجدد والتكامل.


هو مشروع مشترك، لا ساحة صراع، ولا امتدادًا لسلطة أو ماضٍ فردي يُفرض على الآخر.

ومن أراد أن يقتدي، فليقتدِ بمن قال الله فيه:
“وإنك لعلى خلق عظيم.

  • – إيمان مرشد حمّاد – أديبة وكاتبة فلسطينية

شاهد أيضاً

النضال الشعبي : هدم مكاتب “الأونروا” وانزال علمها ورفع علم دولة الاحتلال استهداف مباشر لوكالة أممية تتمتع بالحصانة القانونية الدولية

شفا – اعتبرت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني اقتحام ما يسمى وزير الأمن القومي في حكومة …