2:44 مساءً / 14 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح في الشتات : هل ما زالت حاضرة ؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح في الشتات: هل ما زالت حاضرة؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي


(المقال الثالث عشر من سلسلة مقالات “أي فتح نًريد”)


العلاقة مع فلسطينيي الخارج


منذ انطلاقتها في عام 1965، لم يكن هدف حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) محصورًا داخل حدود فلسطين التاريخية فقط، بل امتد ليشمل الفلسطينيين في الشتات، أولئك الذين شُردوا بعد النكبة في عام 1948 وما تبعها من تهجير قسري، والذين شكلوا في بلدان الشتات مجتمعًا متماسكًا سياسيًا واجتماعيًا، حافظ على هويته الوطنية رغم ظروف الغربة واللجوء.


الشتات الفلسطيني ليس مجرد حالة جغرافية، بل هو تجربة حياة وسياسية واجتماعية معقدة، ويُعد الفلسطينيون فيه جزءًا لا يتجزأ من المشروع الوطني. لذلك، يطرح السؤال المركزي: هل ما زالت فتح حاضرة في الشتات؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه في تعزيز العلاقة مع فلسطينيي الخارج؟


أولًا: الشتات الفلسطيني – خلفية تاريخية وسياسية


الشتات الفلسطيني هو نتيجة مباشرة للنكبة وما تلاها من أحداث سياسية وعسكرية، حيث اضطر مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى مغادرة قراهم ومدنهم، والاستقرار في دول الجوار العربية وأماكن أبعد مثل أمريكا وأوروبا وأستراليا.
الشتات الفلسطيني تميز بـ:


الاحتفاظ بالهوية الوطنية: رغم الظروف الصعبة، حافظ الفلسطينيون على لغتهم وثقافتهم وتقاليدهم الوطنية.
تأسيس شبكات اجتماعية وسياسية: أنشأ اللاجئون مؤسسات تعليمية، جمعيات ثقافية وسياسية، وأندية اجتماعية تعزز الانتماء الوطني.


الارتباط بالقضية الفلسطينية: ظل الفلسطينيون في الخارج ملتزمين بقضيتهم، يشاركون في فعاليات التضامن، ويعملون على دعم صمود أهلهم في الداخل والمخيمات.


فتح، منذ انطلاقتها، وضعت العلاقة مع الشتات كأحد أركان استراتيجيتها الوطنية، لأنها تدرك أن الفلسطينيين في الخارج يمثلون رأس حربة سياسي ودبلوماسي، وداعم أساسي للقدرة الوطنية الفلسطينية على الصمود.


ثانيًا: فتح في الشتات – التاريخ والحضور


على مدار عقود، كانت فتح حاضرة في الشتات بطرق مختلفة:
البعد السياسي:


فتح كانت الحركة الفلسطينية الأولى التي أسست لجمع الشتات الفلسطيني حول مشروع سياسي وطني موحد.
المكاتب التنظيمية لفلسطينيي الخارج ساعدت على الحفاظ على الوعي السياسي، وربط الفلسطينيين بالقرار الوطني في الداخل.


دعم حقوق الفلسطينيين في بلدان اللجوء، بما يشمل القضايا القانونية والاجتماعية.


البعد الاجتماعي والثقافي:


إنشاء مدارس ومراكز تعليمية لتعزيز الهوية الفلسطينية.


تنظيم فعاليات ثقافية واحتفالات وطنية تربط الأجيال الجديدة بالقضية الفلسطينية.
دعم الجمعيات الخيرية والمبادرات التي تخدم المجتمع الفلسطيني في الشتات.
البعد الإغاثي والاقتصادي:


تقديم الدعم المالي للأسر المحتاجة، سواء في المخيمات أو في الشتات.


المشاركة في برامج إعادة التأهيل وبناء البنية التحتية في المخيمات في لبنان، سوريا، الأردن، وغيرها.


هذه الجهود جعلت من فتح جزءًا أساسيًا من نسيج الشتات الفلسطيني، وحافظت على حضورها بين الفلسطينيين في الخارج، لكنها تواجه تحديات معقدة بسبب التحولات السياسية والاجتماعية.


ثالثًا: التحديات المعاصرة أمام فتح في الشتات


رغم حضورها التاريخي، تواجه فتح تحديات عدة تهدد استمرار نفوذها في الشتات، أهمها:
التحولات الديموغرافية:


الأجيال الجديدة من الفلسطينيين في الخارج لم تعايش النكبة أو ظروف الحرب مباشرة، ما يقلل من ارتباطهم المباشر بالمشروع الوطني التقليدي.


الهجرة الداخلية في بعض الدول واندماج الفلسطينيين في المجتمعات المضيفة يجعل من الصعب الحفاظ على الانتماء الوطني.


تعدد الفصائل وتنوع الانتماءات السياسية:


انتشار فصائل فلسطينية مختلفة في الشتات، مثل حماس والجهاد الإسلامي وحركات أخرى، أدى إلى انقسامات سياسية تقلل من نفوذ فتح.


الشباب الفلسطيني في الخارج غالبًا ما ينحاز إلى توجهات مختلفة عن تلك التي تتبناها فتح، بسبب اختلاف الأولويات أو التأثير الإعلامي والسياسي.
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في بلدان اللجوء:


انخفاض الدعم الدولي والخدمات في المخيمات، خاصة في لبنان وسوريا، يضعف قدرة فتح على تقديم برامج ملموسة وتلبية احتياجات الشعب الفلسطيني.


البطالة والفقر بين الفلسطينيين في الخارج تجعل الانخراط السياسي أصعب بالنسبة للأجيال الجديدة.
الافتقار إلى وسائل تواصل فعالة:


قلة استخدام فتح للتقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي مقارنة بالفصائل الأخرى جعلها أقل جاذبية للشباب الفلسطيني في الشتات.


هذه التحديات تتطلب إعادة نظر في استراتيجية فتح في الشتات، لضمان استمرار حضورها وتأثيرها.
رابعًا: العلاقة بين فتح وفلسطينيي الخارج – الرؤية المطلوبة


لكي تظل فتح حاضرة في الشتات، يجب أن تقوم على مجموعة من المبادئ:
التواصل المستمر:


فتح بحاجة إلى تحديث طرق التواصل مع الفلسطينيين في الخارج، سواء عبر الوسائل الرقمية أو من خلال الفعاليات المباشرة.


إنشاء منصات تعليمية وثقافية إلكترونية تتيح للشباب المشاركة والتفاعل مع الحركة.
تمثيل المصالح الوطنية:


فتح يجب أن تكون الصوت الرسمي الذي يدافع عن حقوق الفلسطينيين في الشتات، سواء أمام الدول المضيفة أو المنظمات الدولية.


متابعة قضايا اللاجئين، وحقوق الفلسطينيين في العمل والتعليم والإقامة، بما يعزز الثقة في الحركة.
الشراكة مع المجتمع المدني:


التعاون مع الجمعيات الفلسطينية المحلية والدولية لدعم المشاريع التعليمية والثقافية والاقتصادية.
تمكين الأجيال الجديدة من المشاركة في العمل الاجتماعي والسياسي.


التعليم والهوية:


تعزيز البرامج التعليمية التي تركز على التاريخ الفلسطيني، وحقوق الإنسان، والقيم الوطنية، لضمان استمرار الانتماء للأجيال القادمة.


دعم المدارس الفلسطينية في الخارج، وإطلاق مراكز ثقافية تنقل تجربة النضال الفلسطيني للأجيال الجديدة.
المرونة السياسية:


فتح بحاجة إلى تبني خطاب سياسي مرن يتوافق مع أولويات الشتات، ويأخذ في الاعتبار الفروقات الثقافية والاجتماعية للأجيال الجديدة.

خامسًا: أدوات تعزيز حضور فتح في الشتات
العمل الإعلامي الحديث:


استخدام الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الشباب الفلسطيني في الشتات.
نشر محتوى ثقافي وتاريخي يبرز دور فتح في النضال الوطني والاجتماعي.


البرامج التعليمية والتدريبية:


تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية عن القيادة، والسياسة، والثقافة الوطنية.


توفير منح تعليمية للشباب الفلسطيني في الخارج، وربطهم بالمؤسسات الفلسطينية في الداخل.
المشاريع الاجتماعية والاقتصادية:


دعم المبادرات الاقتصادية الصغيرة التي تعزز استقلالية الفلسطينيين في الخارج.
تمويل مشاريع مجتمعية ثقافية ورياضية تعزز الانتماء الوطني.
التنظيم الشبابي:


إنشاء أطر شبابية منظمة ضمن فتح في الشتات لضمان مشاركة فعالة ومستدامة.
إشراك الشباب في القرارات الوطنية، وإعطائهم منصات للتعبير عن آرائهم ومقترحاتهم.
التنسيق مع المؤسسات الدولية:


فتح يمكن أن تلعب دور الوسيط بين الفلسطينيين في الشتات والمنظمات الدولية لضمان حقوقهم القانونية والاجتماعية.


سادسًا: أمثلة تاريخية على حضور فتح في الشتات
على مر العقود، لعبت فتح دورًا محوريًا في الشتات، من خلال:
لبنان:
تنظيم المخيمات، وإدارة المدارس والمراكز الصحية، وقيادة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الفترة التي سبقت اتفاق الطائف.
الأردن:
دعم الجمعيات والهيئات الثقافية، وربط اللاجئين بالقرارات السياسية الفلسطينية.
أوروبا وأمريكا:


تأسيس مكاتب منظمة للشباب الفلسطيني، تنظيم فعاليات ثقافية وسياسية، والمشاركة في حملات دعم حقوق الفلسطينيين.

هذه الأمثلة تظهر أن فتح لم تكن غائبة عن الشتات، وأن حضورها التاريخي كان ملموسًا، لكنها بحاجة إلى تحديث الأساليب لتواكب الواقع الحالي.


سابعًا: المستقبل – أي فتح نريد في الشتات؟

لكي تظل فتح حاضرة وفاعلة في الشتات، يجب أن تكون:

مستمرة وملتزمة بالهوية الوطنية: الحفاظ على القيم الوطنية، والتمسك بالقضية الفلسطينية وحقوق اللاجئين.
مرنة وحديثة: استخدام التقنيات الحديثة، وتبني أساليب تواصل جديدة مع الأجيال الجديدة.


شاملة وممثلة للجميع: إشراك الشباب والنساء في القرارات، والاهتمام بمختلف شرائح المجتمع الفلسطيني في الخارج.
خدمة المجتمع: تقديم الدعم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، بما يعزز العلاقة بين الحركة والفلسطينيين في الشتات.


قادرة على التأثير السياسي: تمثيل مصالح الفلسطينيين في الشتات أمام الدول المضيفة والمنظمات الدولية.
بهذه الرؤية، تصبح فتح حركة وطنية متجددة، تحافظ على حضورها في الداخل والخارج، وتضمن استمرار الدعم والتضامن مع الفلسطينيين أينما كانوا.

ثامنًا: الخلاصة

فتح في الشتات هي جزء من المشروع الوطني الفلسطيني، وغيابها أو ضعف حضورها يعرض هذه الشريحة المهمة من الشعب الفلسطيني للانفصال عن المشروع الوطني. لتعزيز حضورها، يجب على الحركة تحديث أساليبها، تعزيز التواصل، دعم الشباب والنساء، وتقديم خدمات ملموسة في التعليم والثقافة والاقتصاد والسياسة.

أي فتح نريد في الشتات هي فتح حاضرة وفاعلة، تمثل مصالح الفلسطينيين، وتعزز هويتهم الوطنية، وتستثمر في الأجيال الجديدة، وتضمن استمرار العلاقة بين الشتات والوطن الأم.

وجود فتح في الشتات ليس ترفًا سياسياً، بل ضرورة وطنية تساهم في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني، والحفاظ على هويته، وضمان دعم المشروع الوطني الفلسطيني على المستويين السياسي والاجتماعي.

شاهد أيضاً

هيئة التدريب العسكري تخرج دورة الإسعاف الأولي التأسيسية

هيئة التدريب العسكري تخرج دورة الإسعاف الأولي التأسيسية

شفا – اختتمت هيئة التدريب العسكري دورة الإسعاف الأولي التأسيسية، والتي استمرت لمدة أربعة أيام …