
لكلّ شعبٍ جدّته الحكيمة ، بقلم : غدير حميدان الزبون
لكلّ شعبٍ جدّته الحكيمة تُعرَف باسمٍ واحد، وتسكن بيوتًا كثيرة، فهي تعيش في اللغة، وفي الأمثال، وفي الأغاني القديمة، وفي الطريقة التي يُروى بها الماضي للأبناء. تجلس عند عتبة الذاكرة فتمشط حكايات السنين، وتختار منها ما يليق أنْ يُورَّث، وما ينبغي أنْ يُفهم قبل أنْ يُقال.
كانت في المخيلة امرأةً بوجهٍ يشبه الأرض، تتجعّد ملامحه كما تتجعّد خرائط البلاد. إذا أرادت أنْ تحكي عن هزيمة بدأت بحكاية صمود، وإذا روت عن ألم دسّت في ثناياه بذرة أمل، وإذا أرادت أنْ تحكي عن عام القحط بدأت بالسنابل الذهبية، وتركت التراب اليابس لتقول إنّ الأرض تعبت وتحتاج اهتماما أكثر.
لم تكن تغيّر الوقائع؛ لكنها كانت تعرف بحنكتها المتوارثة بأنّ الحكاية صناعة معنى مما جرى، فإنْ خرجت عاريةً من الحكمة جرحت سامعيها، وإنْ خرجت بلا نورٍ أطفأت فيهم الرغبة في الغد.
كانت تدرك أنّ الأطفال لا يكبرون على التفاصيل وحدها، وإنما على التأويل الذي يحيط بها.
وذات مساءٍ اجتمع الصغار حولها وسألوها: يا جدّتنا، هل هذه هي الحقيقة كلّها؟
أجابت: الحقيقة يا أبنائي شجرةٌ كثيرة الأغصان، لكنّ كلّ شعبٍ يختار الغصن الذي يتفيأ ظله.
ثم أضافت بصوتٍ متهدّج: من لا يملك حكاية ينَمْ على حكايات غيره ضيفًا لا سيّدًا، و من لا يروِ حكايته بنفسه سيجلس يومًا ما ليستمع إليها بصوت غيره.
كبر الأطفال واكتشفوا أنّ لكل شعبٍ جدّته فعلًا، غير أنّ بعض الشعوب تُحسن الإصغاء إليها فتجعل من حكاياتها كتبًا، ومن كتبها مسارح، ومن مسارحها دراما تُشاهد في البيوت البعيدة، وبعضها يترك جدّته وحيدةً في زاوية النسيان فتأتي أصوات أخرى لتروي القصة بطريقتها، وتُقنع الجميع أنها الرواية الوحيدة.
ومن هنا تبدأ إشكالية السردية، وتتحول الحكاية من دفءٍ عائلي إلى ساحة تنازع، ويصبح السؤال: مَن يملك حقّ أنْ يروي ما حدث، وكيف يُعيد ترتيب الذاكرة حتى تصبح تاريخًا في وعي الأجيال.
وكنت قد قرأتُ البارحة مقالًا ثريًا للأديب أكرم الزعبي يتناول فيه مصطلح السّرديّة من خلال ثلاثة أسئلة كبرى:
لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟ وكيف نعمّم ما نكتب؟
وقد بدا لي أنّ هذه الأسئلة على بساطتها الظاهرة تضرب في عمق الإشكال الثقافي العربي المعاصر؛ لأنها تمسّ علاقة الكاتب بذاته، وبجمهوره، وبالزمن الذي يكتب فيه.
لمن نكتب؟ هو سؤال الهوية والوظيفة فمنذ القدم أدرك النقاد أنّ الخطاب يتشكل وفق المتلقي، وفي هذا يشير عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز إلى أنّ المعنى لا يستقلّ بذاته، إنما يتحدد في علاقته بالنظم والسياق، أي في علاقته بالمتلقي المفترض، فالكلام لا يُقاس بذاته، إنما بأثره.
وإذا استحضرنا قول الجاحظ إنّ البيان هو الإفهام أدركنا أنّ الكتابة التي لا تُفهم لا تُؤدي وظيفتها الحضارية، وهو اسم جامع لكل ما يكشف المعنى الخفي، ويهتك الحجاب عن الضمير، ليوصل حقيقة ما في نفس المتكلم إلى فهم السامع بوضوح.
فنحن نكتب لأنفسنا كي نصون وعينا من التآكل، ونكتب لأجيال لم تولد بعد كي لا تبدأ من الصفر، ونكتب للعالم كي لا تُختزل صورتنا في روايات الآخر.
فالسردية هنا فعل تثبيت للهوية، وإعادة تعريف للذات في زمن تُعاد فيه صياغة الحقائق عبر منصات الصورة والسرعة.
أمّا لماذا نكتب؟ فهو سؤال الضرورة لا الترف؛ لأنّ الكتابة في جوهرها ضرورة أخلاقية ومعرفية.
ويرى ابن خلدون أنّ الأخبار إنْ لم تُمحّص خضعت للأهواء والعصبيات، والتمحيص لا يكون إلا عبر رواية واعية تفكك الحدث وتضعه في سياقه، فتغدو السردية أداة مقاومة للنسيان والتزييف.
أما طه حسين فكان يرى أنّ الأدب تعبير عن الحياة، وأنه لا ينفصل عن قضايا مجتمعه، فالكتابة إذن هي انخراط في أسئلة الواقع.
وفي عصر السرعة تُستهلك الوقائع قبل أنْ تُفهم ليصبح التدوين الواعي فعل حفظ للمعنى من التبديد.
نحن نكتب لأنّ التجارب الإنسانية التي لا تُروى بلسان أصحابها تُختطف دلالاتها، ونكتب كي لا تتحول الذاكرة إلى أرشيف بارد، ولتبقى طاقة حية تُغذي الحاضر.
أمّا كيف نعمّم ما نكتب؟ فتعميم السردية لا يتحقق بالتكرار الخطابي، إنما بتحويلها إلى أشكال تعبيرية قادرة على العبور.
وهنا تتجلى أهمية الدراما بوصفها وسيطًا جامعًا بين الكلمة والصورة، فالدراما تُجسد المعنى، وتمنحه جسدًا وصوتًا وملامح، فتنتقل السردية من نص يُقرأ إلى تجربة تُعاش.
لقد أدركت الأمم الحديثة أنّ الوعي الجمعي يُصاغ عبر الأعمال الفنية الكبرى، لا عبر المقالات وحدها، والسؤال اليوم: هل نملك مشاريع درامية تنبع من تجارب إنسانية عميقة، أم نكتفي بإعادة إنتاج قوالب مستهلكة؟
إنّ السردية التي لا تجد ترجمتها في الفن تبقى حبيسة النخبة، وهنا تأتي مسؤولية المثقف، وضرورة النقد العميق، فالحفاظ على الموروث الثقافي لا يعني تجميده، إنما إعادة قراءته بما يلائم تحولات العصر. إنّ اللغة كائن حي، وقد أشار علماء اللغة إلى أنّ التطور سُنة من سننها، غير أنّ التطور لا يعني التفلت من الأصول، فالتوازن بين الأصالة والتجديد هو جوهر المشروع الثقافي الرصين.
ولا يستقيم هذا المسار دون عودة حركة نقدية واعية، وقد كان النقد عند قدامة بن جعفر تقويمًا قائمًا على معايير، لا مجاملات، والنقد الحديث عند محمد مندور كان ممارسة فكرية تكشف البنية والدلالة، لا انطباعًا عابرًا.
فما يفتقده المشهد الثقافي اليوم ليس كثرة الإنتاج، إنما صرامة القراءة؛ لأنّ النقد التجميلي يراكم الرداءة لأنه يخشى المواجهة، أما النقد المعرفي فيحمي الذائقة العامة ويصون القيمة.
وإذا أردنا أن تكون سردياتنا ممتدة في الزمن، فعلينا أنْ نكتب بصدق، ونُنتج بفن، ونُعمّم برؤية، وننقد بجرأة علمية.
عندها فقط تتحول الكلمة من أثر عابر إلى ذاكرة راسخة، ويغدو المثقف فاعلًا في صناعة الوعي، لا شاهدًا صامتًا على تراجعه.
ولأنّ الشعوب مثل الأطفال تكبر على حكاياتٍ تُروى عند المساء، فإنّ لكلِّ شعبٍ جدّتَه الحكيمة؛ تلك التي تحفظ أسماء الراحلين كما تحفظ وصفات الخبز، وتُخفي في تجاعيدها خرائطَ الطريق عندما تضيع الدروب.
هي استعارةٌ لذاكرةٍ جماعيةٍ تتوارث النار من موقدٍ إلى موقد، وتضع النقاط على حروف التاريخ كي لا تُمحى، وتنسج من خيوط الألم ثوبَ كرامةٍ لا يبلى.
ومن هنا تبدأ السرديّة مسؤوليتها بأنْ تصغي إلى همس الجدّة قبل أنْ يبتلعه صخب العالم، وأنْ تلتقط من بين أصابعها المرتجفة حقيقةً لا تقبل المساومة. فالكتابة إذ تنحني لتلك الذاكرة تُصبح ضرورةَ وعيٍ لا يُطفئه النسيان، والدراما عندما تستعير صوتها تُحوِّل الحكاية إلى مرآةٍ يرى فيها الجميع وجوههم، أمّا النقد فيجلس إلى جوارها كحفيدةٍ يقِظة، يسأل ويُمحّص ويحرس المعنى من التزييف.
نقول إنّ لكلِّ شعبٍ جدّتَه الحكيمة، ونعلن إيماننا بأنّ الحكاية مستقبل يُصاغ، فالأوطان التي تُصغي لذاكرتها لا تُهزم، لأنّ الجدّات لا يُتقنَّ سوى فنِّ البقاء.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .