12:30 مساءً / 11 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح والمقاومة ، أي شكل نريد وأي قرار؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح والمقاومة : أي شكل نريد وأي قرار؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي


(المقال التاسع من سلسلة مقالات أي فتح نريد)

مفهوم المقاومة وأدواتها

تظل المقاومة الفلسطينية عنوانًا مركزيًا في النضال الوطني منذ النكبة وحتى اليوم، وقد لعبت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) دورًا محوريًا في صياغة مفهوم المقاومة على امتداد العقود الماضية. ومع التحولات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، يبرز سؤال محوري: أي شكل من أشكال المقاومة نريد أن تتبناه فتح اليوم، وما هو القرار الاستراتيجي الذي يجب أن يوجه هذا المسار؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحليلًا دقيقًا لمفهوم المقاومة، وأدواتها، وأثرها على المشروع الوطني، بالإضافة إلى دراسة التوازن بين الخيارات المتاحة، والقيود العملية، والتحديات الدولية والإقليمية.

أولًا: المقاومة بين المفهوم التاريخي والواقع المعاصر

المقاومة في السياق الفلسطيني ليست مجرد فعل عسكري، بل هي استراتيجية شاملة لمواجهة الاحتلال، تشمل البعد السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي. وتاريخيًا، تنوعت أشكال المقاومة بين:

  1. المقاومة المسلحة: التي ارتبطت بفترات المواجهة المباشرة مع الاحتلال، مثل عمليات الفدائيين في الستينيات والسبعينيات، والتي شكلت أحد أعمدة قوة فتح في نشر فكرة التحرر الوطني.
  2. المقاومة الشعبية والمدنية: وتشمل الإضرابات، والمسيرات، والاحتجاجات الشعبية، والعصيان المدني، وهي أدوات أقل تكلفة وأكثر قدرة على التعبئة الجماهيرية.
  3. المقاومة السياسية والدبلوماسية: والتي برزت بشكل متزايد بعد اتفاقيات أوسلو، وتشمل النشاط في المنظمات الدولية، وإدارة المفاوضات، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية.
  4. المقاومة الاقتصادية والاجتماعية: عبر بناء مؤسسات محلية، وتعزيز الاقتصاد الوطني، والمبادرات الاجتماعية، ما يسهم في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتمكينه من مواجهة الضغوط.

هذا التنوع في أشكال المقاومة يعكس ضرورة النظر إلى المقاومة كاستراتيجية متعددة الأبعاد، لا كخيار أحادي.

ثانيًا: فتح والمقاومة – تاريخ ومسار

كانت حركة فتح من أولى الحركات التي نظمت المقاومة بشكل منهجي، حيث جمعت بين الكفاح المسلح والعمل السياسي، ووضعت خططًا استراتيجية لتحقيق الهدف الوطني. لقد كانت المقاومة بالنسبة لفتح أداة تحررية لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تشمل التثقيف السياسي، وتنظيم الجماهير، وبناء البنية التحتية الوطنية.

مع مرور الوقت، ومع تزايد التحديات السياسية، دخلت فتح مرحلة جديدة في صياغة مفهوم المقاومة، خصوصًا بعد توقيع اتفاقيات أوسلو. فالمقاومة لم تعد مسألة مجرد قوة فدائية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالقدرة على التأثير السياسي، والحفاظ على المكاسب الوطنية، والمراهنة على دعم المجتمع الدولي في حماية الحقوق الفلسطينية.

ثالثًا: التحديات الراهنة في تحديد شكل المقاومة

اليوم، تواجه فتح تحديات معقدة في تحديد شكل المقاومة المناسب، بسبب:

  1. تغير البيئة الإقليمية والدولية: الضغط الدولي، وسياسات الاحتلال، والتحولات الإقليمية تجعل خيارات المواجهة المسلحة محدودة ومعقدة.
  2. الانقسام الداخلي: الذي يضعف الجبهة الداخلية، ويحد من القدرة على تنظيم أي شكل مقاوم متكامل.
  3. العوامل الاجتماعية والاقتصادية: بما في ذلك البطالة، والفقر، والضغوط الحياتية، ما يقلل من قدرة الشعب على المشاركة في أشكال المقاومة التقليدية المكلفة.
  4. تطور وسائل الإعلام والتكنولوجيا: والتي أصبحت جزءًا من المقاومة الرقمية، الإعلامية، والدبلوماسية، ما يستدعي استراتيجيات جديدة تتماشى مع العصر الرقمي.

هذه التحديات تؤكد ضرورة إعادة النظر في أدوات المقاومة، بحيث تكون متكاملة، ومرنة، وقادرة على التكيف مع الواقع المعاصر دون فقدان جوهرها التحرري.

رابعًا: المقاومة المسلحة – حدودها وإمكاناتها

المقاومة المسلحة كانت دائمًا جزءًا من استراتيجية فتح، لكنها تواجه اليوم قيودًا كبيرة. الاحتلال يمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيات متقدمة تجعل أي مواجهة مباشرة مكلفة بشريًا وماديًا. كما أن الانقسام الفلسطيني الداخلي يضعف إمكانية تنظيم أي تحرك عسكري جماعي موحد.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل دور المقاومة المسلحة كرمز ووسيلة ضغط، لكنها اليوم بحاجة إلى إعادة تقييم: كيف يمكن أن تكون المقاومة المسلحة محدودة، دقيقة، مستهدفة، ومتوازنة مع الأبعاد السياسية والدبلوماسية، بحيث لا تتحول إلى عبء على الشعب الفلسطيني أو تبريرًا لمزيد من الانتهاكات ضد المدنيين؟

خامسًا: المقاومة الشعبية والمدنية

المقاومة الشعبية أصبحت أكثر فعالية في ظل الظروف الحالية، لأنها:

• منخفضة التكلفة مقارنة بالخيارات المسلحة.
• تسمح بتعبئة جماهير واسعة، بما يعزز من شرعية المقاومة الفلسطينية دوليًا.
• تصنع حضورًا دائمًا في الشارع، وتربط القضية الوطنية بالهموم اليومية للشعب.

وقد أظهرت التجربة الفلسطينية أن الإضرابات، والمسيرات، ورفض سياسات الاحتلال عبر العصيان المدني، يمكن أن تحقق تأثيرًا ملموسًا، خاصة عندما يتم تنسيقها بشكل جماعي وفعال بين مختلف الفصائل الفلسطينية.

سادسًا: المقاومة السياسية والدبلوماسية

أصبحت المقاومة السياسية والدبلوماسية أداة رئيسية لفتح، لا سيما بعد تراجع فعاليات الكفاح المسلح التقليدية. ويشمل ذلك:

• النشاط في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
• الدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل القانونية والدبلوماسية.
• بناء تحالفات دولية وإقليمية لدعم القضية الفلسطينية.

هذه الأبعاد للمقاومة تسمح لفلسطين بالاحتفاظ بموقعها على الساحة الدولية، وممارسة الضغط السياسي على الاحتلال، وتحقيق مكاسب استراتيجية دون اللجوء إلى مواجهة مسلحة مباشرة مكلفة.

سابعًا: المقاومة الاقتصادية والاجتماعية

يُعتبر بناء اقتصاد وطني قوي، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، جزءًا من المقاومة بحد ذاته. فتمكين الشعب الفلسطيني اقتصاديًا واجتماعيًا يجعل المجتمع أكثر صمودًا أمام الاحتلال، ويمنح الحركة القدرة على الاستمرار، ويزيد من التأثير في الساحة السياسية.

تشمل المقاومة الاقتصادية:

  • تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
  • دعم التعليم والتدريب المهني.
  • بناء مؤسسات صحية وخدمية قادرة على تلبية احتياجات المجتمع.

كل هذا يشكل مقاومة يومية، مستمرة، وقادرة على تغيير الواقع دون اللجوء إلى عنف مباشر، ويعكس استراتيجية شاملة للمقاومة المتكاملة.

ثامنًا: القرار الاستراتيجي لفتح

أي شكل من أشكال المقاومة يجب أن تتبناه فتح اليوم يرتبط بالقرار الاستراتيجي الذي يوازن بين:

  1. الحفاظ على المقاومة المسلحة الرمزية والمحدودة كأداة ضغط وحماية للحقوق الأساسية.
  2. توسيع المقاومة الشعبية والمدنية لتشمل كل أشكال الاحتجاج السلمي والضغط الشعبي المنظم.
  3. تعزيز المقاومة السياسية والدبلوماسية على الساحتين الإقليمية والدولية.
  4. ترسيخ المقاومة الاقتصادية والاجتماعية لبناء صمود دائم للشعب الفلسطيني.

إن القرار الاستراتيجي يعني أيضًا ترتيب الأولويات، وتخصيص الموارد بشكل فعّال، والتأكد من أن كل أداة من أدوات المقاومة تخدم الهدف الوطني، وليس المصالح الفردية أو الحزبية.

تاسعًا: التحديات أمام القرار الاستراتيجي

هناك عدة تحديات تواجه فتح في وضع استراتيجية شاملة للمقاومة:

  • الانقسام الفلسطيني الداخلي: يؤثر على قدرة الحركة على التنسيق وتوحيد الجهود.
  • الضغط الدولي والإقليمي: خاصة فيما يتعلق بالمقاومة المسلحة، ويحد من الخيارات العملية.
  • تغير أولويات الشعب الفلسطيني: مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يحتاج المواطنون إلى مقاومة تحقق لهم تحسنًا ملموسًا في حياتهم اليومية، وليس مجرد رمزية.
  • ضرورة التكيف مع التكنولوجيا الحديثة: المقاومة الرقمية والإعلامية أصبحت عنصرًا لا يقل أهمية عن المقاومة التقليدية.

عاشرًا: رؤية متكاملة للمقاومة

فتح بحاجة إلى رؤية متكاملة للمقاومة تعتمد على:

  1. التنسيق الداخلي بين مختلف الأطر والفصائل لضمان وحدة الجبهة الوطنية.
  2. التخطيط الاستراتيجي طويل المدى الذي يوازن بين مختلف أشكال المقاومة.
  3. دمج الشباب والنساء في صنع القرار، وتنظيم فعاليات المقاومة الشعبية والمدنية.
  4. تعزيز البنية المؤسساتية لضمان قدرة الحركة على الاستمرار في كل الظروف.
  5. التواصل المستمر مع المجتمع الدولي لكسب التأييد والدعم للحقوق الوطنية.

بهذه الرؤية، تصبح المقاومة الفلسطينية أداة فعالة للتغيير، متوازنة بين الرمزية والفاعلية، بين القوة الشعبية والسياسية، وبين التحديات الداخلية والخارجية.

خاتمة

المقاومة الفلسطينية ليست مجرد فعل عابر، بل هي استراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى تحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. فتح، بصفتها القوة التاريخية الرائدة، تتحمل مسؤولية وضع القرار الاستراتيجي المناسب، الذي يوازن بين المقاومة المسلحة المحدودة، والمقاومة الشعبية والمدنية، والمقاومة السياسية والدبلوماسية، والمقاومة الاقتصادية والاجتماعية.

إعادة صياغة مفهوم المقاومة وأدواتها اليوم لا تعني التخلي عن النضال، بل تعني تطويره وفق واقع جديد، وتعظيم أثره الوطني، وضمان استمراريته. فتح بحاجة إلى قرار شجاع وواضح يحدد شكل المقاومة الذي يحقق الهدف الأكبر: تحرير الأرض، واستعادة الحقوق، وبناء مستقبل فلسطيني متماسك، قادر على الصمود في وجه الاحتلال، والتمتع بوحدة وطنية حقيقية تعكس إرادة الشعب الفلسطيني بكل فئاته وأجياله.

شاهد أيضاً

وزيرة الخارجية تلتقي وزير الشؤون الخارجية التونسي على هامش الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي

وزيرة الخارجية تلتقي وزير الشؤون الخارجية التونسي على هامش الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي

شفا – التقت وزيرة الخارجية والمغتربين، د. فارسين أغابكيان شاهين، مع معالي وزير الشؤون الخارجية …